فهرس الكتاب

الصفحة 783 من 809

وقال:"ليس من اللغة قول معبرين أو معبر، يقول إنما هم أهل تعبير الرؤى. (المعبِّرون) : يعني الذين يُطلقون الألفاظ على المعاني، هذا عبّر عن لفظه كما يُقال، عبّر عن معناه بلفظ كذا وكذا، هذا المقصود وليس تفسير الرؤى."

"فَإِذَا أَطْلَقَ بَعْضُ الْمُعَبِّرِينَ لَفْظَ الزُّهْدِ عَلَى تَرْكِ الْحَلَالِ؛ فَعَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَفُوتُ مِنَ الْخَيْرَاتِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ":

قوله على (جهة المجاز) ، ما المجاز؟ المجاز هو إطلاق الصفة على غير محلها في الوضع، هذا خلاصة الكلام، كقوله: {جَنَاحَ الذُّلِّ} ، الجناح أصل وضعه لما هو طائر، هل يُتصوَّر أن الذل له جناح؟ فأُطلقت هذه الصفة على غير محلها في الوضع، -أنا أتكلم من ناحية اللغة والبلاغة وليس فيما يأتي من الكلام في قضية إثبات صفات الله-، فهذا هو المجاز عندهم.

وكقوله: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} التنفس لما فيه هواء، نَفَس يخرج ويدخل، والعرب تعلم أن أعظم البلاغة هو المجاز، وكلما دقَّ نظر المرء في إخراج المجاز حُسب له مقامه في البلاغة، هذا هو المجاز.

فإذًا لما أنت تنسب صفة على غير موضعها، ما الشرط؟ الشرط أن يكون هذا محتملًا، لا أن يقول: طار الفيل، أو شربت الخبز! وأكلت الماء! مثل الحداثيين اليوم! يعتبرون كلما ربط المرء صفة بغير موصفه المعروف بها حتى من غير قرينة، يعني {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} هناك قرينة الخروج والانتباه والحياة، مئات القرائن. جناح الذل، انظر إلى هذه العظمة، {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} هذا فيه ارتباط.

ولذلك في إحدى مناظرات الشيخ شاكر مع خصومه واحد كتب في قصيدة له قال:"وزلزلت أذني"، واعتبرها كلمة عظيمة بحيث فيها المجاز العميق، قال له: زلزل هي من زلَّ، زل يعني انتقل وتحوَّل، أذنك أين تحولت؟!

فالقصد أنه لا بد من وجود الرابط. هذا هو المجاز. فما الفرق بينه وبين الكناية؟ الفرق بينهما أن المجاز ينقل اللفظ عن أصله ولا يُبقي له ارتباطًا إلى غيره، فيقول {جَنَاحَ الذُّلِّ} لم يبق ذكر لما هو الموصوف الأصلي له، أين الطائر؟ غير موجود، فإذًا المجاز هو نقل اللفظ مع قطع ارتباطه مع الأصل، في الكناي تُبقي الارتباط بالأصل. ولذلك ضربوا له مثالًا كقولهم:"رجل كثير الرماد، طويل العماد"، كيف كثير الرماد؟ هم ماذا أرادوا بها؟ هو كثير الرماد حقيقة؛ لأنه يخبز ويطبخ والناس تأتي إليه، فعنده رماد كثير، فإذًا بقي الأصل موجود، وأجزناها إلى معنى آخر وهو الكرم، فهذا هو الفرق بين المجاز والكناية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت