كذلك -من الباب-: لا يُعاد فيها إلى ما غلب على نفسه حال خاص؛ كأبي ذر لما كان يرى أن الكنز هو ما زاد عن حاجتك، والناس يفهمون أن الكنز هو ما لم تؤدّ زكاته، فهذه حال خاصة، وإلزام الناس بمثل هذه الحال من الخطأ، فهذا طرف وهذا طرف.
والقصد من ذلك أن يبين أن أناسًا تركوا الحلال لأنهم عدوه إسرافًا كما ذكرنا في شأن أبي ذر، فهذا تركوه لهذا المعنى، فمن نظر إليهم نظر أنهم تركوا الحلال فظن أن ترك الحلال عبادة، هم نظروا أنه إسراف، وترك الإسراف دين.
ولذلك انتبهوا لهذه، قال:"وَلَيْسَ فِي الْإِسْرَافِ حَدٌّ يُوقَفُ دُونَهُ كَمَا فِي الْإِقْتَارِ":
هذه مسألة غائبة، هناك أشياء اسمها هلكة، هناك أشياء اسمها تقتير، وهو بينهما، ما الحد بينهما؟ قال: وكل واحد فقيه نفسه.
"وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّفَقُّهَ فِي الْمُبَاحِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِسْرَافِ وَعَدَمِهِ وَالْعَمَلَ عَلَى ذَلِكَ مَطْلُوبٌ":
هنا يضبط المسألة؛ أن التفقُّه في المباح بالنسبة إلى الإسراف وعدمه والعمل على ذلك مطلوب شرعًا: أن تكون فقيهًا في معرفة حد الإسراف وغيره، وأن تعمل فيه هذا مطلوب شرعًا.
"وَهُوَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ تَنَاوُلِ الْمُبَاحِ":
هنا نقطة مهمة جدًا: المباح له شروطه، ليبقى عليه صفة المباح لا بد له من شروط، هذه التي دندن حولها في كل ما تقدَّم، أنه إذا ذهبت شروط المباح ارتفع عنه حكمه. ولذلك المباح ليبقى على شرطه لا بد له من شروط، وهذه قاعدة، الناس لا يفهمونها، يظنون أن المسألة مطلقة.
"وَلَا يَصِيرُ بِذَلِكَ الْمُبَاحُ مَطْلُوبَ التَّرْكِ، وَلَا مَطْلُوبَ الْفِعْلِ؛ كَدُخُولِ الْمَسْجِدِ لِأَمْرٍ مُبَاحٍ هُوَ مُبَاحٌ، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ جُنبًا، وَالنَّوَافِلُ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ، وَلَا يَصِيرُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ وَلَا النَّافِلَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَاجِبَيْنِ؛ فَكَذَلِكَ هُنَا تَنَاوُلُ الْمُبَاحِ مَشْرُوطٌ بِتَرْكِ الْإِسْرَافِ، وَلَا يَصِيرُ ذَمُّ الْإِسْرَافِ فِي الْمُبَاحِ ذَمًّا لِلْمُبَاحِ مُطْلَقًا":
قال:"وَلَا يَصِيرُ بِذَلِكَ الْمُبَاحُ مَطْلُوبَ التَّرْكِ، وَلَا مَطْلُوبَ الْفِعْلِ؛ كَدُخُولِ الْمَسْجِدِ":
إذًا التفقه والعمل فيما هو مباح مطلوب شرعًا، لكنه لا يجعل المباح مطلوب الترك ولا مطلوب الفعل. طيب لماذا هو قال:"والعمل على ذلك مطلوب"؟ ما المطلوب إذًا؟ المطلوب هو اعتقاد وجود المباح.