النور، {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} ، {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} ؛ ما هو دور النور؟ كلما اشتدَّ النور كشف الدقائق، لما يكون النور قليلًا؛ فأنت ترى الأشياء العظيمة الكبيرة، لكن لا ترى صغار الأمور، تخفى عليك لضعف النور. ولذلك إذا أردت أن تعرف دقائق الأمور، الحلال بيِّن والحرام بيِّن، الخمر بيّن أنه حرام، الزواج بيّن لا يستطيع المرء أن يتكلم فيه، فهذه أمور عظيمة بيّنة، فهذه بقليل من النور تُدرك، لكن إذا جاءت الخفيَّات والمشتبهات، الدقائق الصغيرة ما لونها؛ أسود أم أبيض؟ أهي نافعة أم ضارة؟ هذه تحتاج إلى نور شديد. ولذلك لا بد من النور، {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} ، {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} ، هذا الفرقان ما حاجتنا إليه ونحن نعلم الحلال والحرام؟ هو يقول: {إن تتقوا الله} ، اتقاء الله -عزَّ وجلَّ- يكون بترك الحرام وإتيان الحلال، هذا هو التقوى، قال: {يجعل لكم فرقانًا} ، ما هو الفرقان؟ هو الحد الفاصل بين ما هو حق وما هو باطل، ما هو نافع وما هو ضار، ما هو حلال وما هو حرام، ما هو أقرب إلى الحلال، وهكذا. فإذًا الفرقان أمر زائد عن التقوى. قال: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} ؛ فالفرقان هو شدة النور، وحينئذ يستطيع أن يدرك الخبايا الخفيَّة، يعلمها وينظر فيها، ويعلم هذه الأمور كيف هي على وجهها، لأن النور لديه شديد. فإذًا كل واحد فقيه نفسه هذه لا ينبغي أن تُعطى في هذا الزمان.
ومن هنا تجدون أن هناك بعض الأمور لم يحُدَّها الشارع وتركها، ولكن الفقهاء اضطروا إلى حدِّها لسبب ضروري وهو عدم وجود هذا النور في الناس، وقلة فقههم في الشريعة، فاضطروا إلى حدها، وإلا فالشارع لم يحدها وتركها للناس، على أي معنى؟ على معنى التقوى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} . ومن ذلك قضية الإسراف والإقتار، انظر الناس ما هو الإسراف عندهم اليوم؟ لا حد له، لا يوجد حد للإسراف! لا توجد أصلًا كلمة (الإسراف) إلا على معنى الهلكة، أنه يأخذ مالًا فيرميه في الزبالة فيقولون: أسرفت يا رجل! واحد دعا عشرة من الناس فصنع لهم طعام خمسين، أكل العشرة فحمل الطعام ورماه في القمامة، ماذا يقول له الناس؟ أسرفت، هذا ليس إسرافًا، هذا حرام، هذا إهلاك مال.
الإسراف هو أن تنفقه، يعني واحد يستطيع أن يأكل رغيفا فأكل عشرة، هذا إسراف، واحد يكفيه أن يكون عنده ثوب أو ثوبان، النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فراش لك، وفراش لأهلك، وفراش للضيف) ، هو عنده أربعة خمسة فرش هذا إسراف، وليس الإهلاك. ولذلك هذه التي ترك الشارع تقديرها لمنازل الناس لا يُعاد فيها إلى الناس حين يغيب الفرقان. هذه يُعاد فيها إلى أهل الدين.