فهرس الكتاب

الصفحة 776 من 809

فَقَسَّمَتْهُ، وَلَمْ تُبْقِ لِنَفْسِهَا شَيْئًا، فعُوتبت عَلَى تَرْكِهَا نَفْسَهَا دُونَ شَيْءٍ، فَقَالَتْ:"لَا تُعنِّيني، لَوْ كُنْتِ ذَكَّرْتِنِي لَفَعَلْتُ"، وَيَتَّفِقُ مِثْلُ هَذَا لِلصُّوفِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَرَكَ الْمُبَاحَ لِعَدَمِ قِيَامِ النَّفْسِ لَهُ هُوَ فِي حُكْمِ الْمَغْفُولِ عَنْهُ"."

إذًا هناك من يترك المباح لا من جهة النظر إليه ولكن من جهة انشغاله بغيره، وهذا الانشغال منشؤه التلذُّذ، هو يضبط بالتلذذ أو لغير ذلك، وليس فقط ضابط التلذذ هو الضابط الوحيد في هذا الباب، فقد ينشغل المرء بأمر خارج عن المباح، ويراه هو أجمل لديه وأفضل لديه من أن ينشغل بهذا المباح ويتلذذ به، يجد متعته ويجد نفسه مع هذا الآخر. وهذا يقع للعباد لا تجدهم يتلذَّذون بطيب المتاع، يتلذذون بالزهد، لشغلهم عنه، يتلذذون بترك النساء، كما فعل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- في أنه ترك أهله وترك الدنيا، وذلك لتلذذه بغيره.

ويقول: هذا التلذذ يُنشئ غفلة عن المباح، وهذه الغفلة عن المباح لا يُؤجر عليها ولكنه يُؤجر بانشغاله في الآخر، فيُؤجر عليه وليس في الترك. فالترك هنا أمر سُلُوبيّ -كما يقولون-؛ ليس له نظر فيه أو متوجِّه إليه، إنما نظره إلى الآخر، فهو سلوبي وليس إيجابيّ.

"-وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ يَرَى بَعْضَ مَا يَتَنَاوَلُهُ مِنَ الْمُبَاحِ إِسْرَافًا، وَالْإِسْرَافُ مَذْمُومٌ، وَلَيْسَ فِي الْإِسْرَافِ حَدٌّ يُوقَفُ دُونَهُ كَمَا فِي الْإِقْتَارِ؛ فَيَكُونُ التوسُّط رَاجِعًا إِلَى الِاجْتِهَادِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ؛ فَيَرَى الْإِنْسَانُ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِهِ دَاخِلًا تَحْتَ الْإِسْرَافِ، فَيَتْرُكُهُ لِذَلِكَ، وَيَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ مِمَّنْ لَيْسَ ذَلِكَ إِسْرَافًا فِي حَقِّهِ أَنَّهُ تَارِكٌ لِلْمُبَاحِ، وَلَا يَكُونُ كَمَا ظَنَّ؛ فَكُلُّ أَحَدٍ فِيهِ فَقِيهُ نَفْسِهِ":

انظروا إلى قوله -رحمه الله-:"فَكُلُّ أَحَدٍ فِيهِ فَقِيهُ نَفْسِهِ"، انتبهوا لهذا، هذه قضية مهمة، متى تُعمل هذه القاعدة؟

تكلمنا سابقًا بأن إعادة الأحكام إلى نفس المكلَّف لا تكون على الإطلاق، ولو كان هذا لصار كل واحدٍ متعبِّدًا بهواه؛ فإن أغلب ما في النفوس وما في البشر هو حكم الأهواء، ولذلك قوله: (استفتِ نفسك) هذه ليست بإطلاقها:

-أولًا: لا بد أن يكون هذا الرجل فقيهًا، يعلم الحلال والحرام، فهو يقف على الحلال والحرام، هذا واحد. فقضية استفتِ نفسك في غير ما علمه من الفقه الذي قالت به الأحكام الشرعية.

-ثانيًا: استفتِ نفسك لمن دَرَبت نفسه وحصلت لديها المَلَكَة في معرفة أحكام الله -عزَّ وجلَّ-. الرجل الذي يتعامل مع الأحكام الشرعية في كل يوم فيعلم مزاج الشرع، يعلم بكثرة عبادته لربه ما يحب الله وما يبغض، فالله يكشف له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت