فهرس الكتاب

الصفحة 771 من 809

ولكن من المعلوم -وهذه إحدى مذاهب الأقدمين في الألفاظ- أن الألفاظ نشأت لمعاني الأشياء في النفس؛ ومن ذلك كلمة (هواء) ، أصلها (هو) ، لما واحد يقول: ما هذا؟ يقول:"هو"، لو أن رجلًا أراد أن يعبِّر عن الهواء من غير أن يُذكر اسمه ماذا يقول؟"هو هو"، فقال بعض أهل اللغة -وهذا مذهب قديم وليس معاصرًا-، قالوا: إن الأسماء للأشياء إنما تعبّر عن معانيها، ولذلك لو أتيت بكلمة (جبل) ، انظر إلى ماذا تشير، فإنها تشير إلى شيء عظيم. وكلمة (سهل) ، وهذا ذكره بعض أهل العلم، -وإن لم تفُتني الذاكرة- هذا مذهب ابن جنّي في اللغة.

سؤال: يا شيخ ذكرت قاعدة ثانية، وهي أن يُفَّسر القرآن بلفظ ومزاج القرآن، والحقيقة هذه لا أدري هذه كانت مخرجًا وحجة تُقام لمن يريد أن يلزمنا بالقول في الآية: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} إذا أخذنا هذه الآية على الكفر الأكبر فيلزم من ذلك أن نكفّر صاحب المعصية، بمعنى أن صاحب المعصية إذا عصى الله فهو حكم في نفسه بغير ما أنزل الله، وهذا كان ينقله. فعلى القاعدة التي نقلتها -على ما فهمت أنا- إذا فُسِّر (يحكم) بمزاج القرآن بالاستقراء من كامل القرآن فلم تأتِ كلمة (يحكم) في القرآن إلى على وجه القضاء.

الشيخ: حكم بمعنى قضى، ولكن يأتي كذلك الحكم في القرآن على معنى الحكمة، وهذا كثير في القرآن {وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} ، فلما أرجع إلى كتب التفسير أجد: الحكمة، فأعجب! وأنا أعلم مما تعلمته من تفسير السلف بأنه لا يمكن أن يذهب القرآن من لفظ إلى لفظ آخر يقوم مقامه إلا لحكمة ومسألة زائدة، فكانت تعجزني هذه، فكنت مرات بين نفسي أذهب إلى كلمة الحكم بمعناها الخاص لها بعيدًا عن الحكمة وهو محبة القلوب له، خضوع القلوب له وهذا حكم، كنت هكذا أذهب لبعض هذا المعنى، ولكني وجدت أن غير هذا القول هو القول الأولى، لماذا؟ وجدت أن الحِكمة والحُكم لهما جذر واحد وهو (حَكَمَ) . وهذه التي تُطبَّق عليها القاعدة الأولى أن اللفظ يُؤخذ بما دلّ عليه لفظًا وبما أخفاه دلالة، لأنني رأيت -وهذا قولي- بأن الجذر للحكمة وللحكم واحد، ولما كان الجذر في الحكم قد تضمَّن الحكمة ليس في سبيل لفظه الأصلي ولكن دلالة تذهب في النفس على أن الحاكم لا بد أن يكون عادلًا، ولكن الحكمة تخلو كثيرًا من السلطان.

من الأقوى دائمًا؟ أن الحاكم دائمًا هو الحكيم، الناس يختارون في التاريخ أن الحاكم هو الحكيم، بخلاف الحكيم؛ كثير من الحكماء لم يكن حاكمًا، ليس له سلطان. هذا مما يُطبق به القاعدة الأولى؛ فاللفظ إن أُطلق على الحكمة خلا عن السلطان، وإن ذُكر لفظ (الحكم) على سبيل المدح تضمن الحكمة؛ لأنه على سبيل المدح سيق في الأنبياء. ولذلك استعاض القرآن عن لفظ الحكمة بالحكم، لماذا؟ لأن في ذلك معنى زائدًا عن الحكمة وهو السلطة، ولذلك حكمتهم كان فيها السلطان، بماذا؟ في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت