قهر ألفاظهم، في قهر غيرهم. لأن الحكمة ما هي؟ من الحكمة ضد الخصوم: إلزام الخصم وإسكاته، كما أن للحاكم سلطان إسكات الآخر، يُسكته بالكرباج، وبالحكم بالسجن، يُلزمه، والحكمة قاهرة.
أما ما ذكرت بالنسبة {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} فهذه شرحناها مرارًا بأن أحكام القرآن غائيّة [1] ، وإذا كان اللفظ غائيًا -أي نهائيًا كاملًا- فيُلحَق به الحكم الغائي الكلي. فلما قال -سبحانه وتعالى-: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ} هذه عامة، الحكم أُطلق بما هو فيه، فقال: {هم الكافرون} ، فدل على أن الحكم غائي وهو الكفر.
لكن من فعل فقد حكم، هذه تدخل في الحكم دخولًا جزئيًا. لو أن رجلًا فعل فقد حكم، يعني أنه صار له سلطان على نفسه بأن يفعل هذا الفعل، هذا دخول جزئي، فيلحقه الحكم الجزئي بمقداره، هل يكفر؟ الجواب: نعم، لكن كفرًا بمقدار الفعل الذي حكم الشارع به، وهو الكفر الأصغر.
ولذلك قلنا كقاعدة علمية أن كل معصية هي كفر أصغر، لكن هل هذا يجوز لنا؟ نقول احترامًا للنص: لا نطلق الكفر الأصغر إلا على ما جاء به النص، وإلا كقاعدة هي مقالة ابن رجب -رحمه الله- التي ذكرها في شرحه لفتح الباري عندما قال عن السلف:"إن المعاصي بريد الكفر"، ما دام هي بريده فلها حكمه، ولكن بمقدارها.
السائل: ما أجبته في مسألة الحكم جميل، لكن إذا فقط قلت: أن الحكم بمعنى ارتكاب المعصية لازمة -يعني إنسان عصى الله تعالى في ذاته-، (الحكم) لا يكون معناه ارتكاب المعصية اللازمة في القرآن نظرًا لأن مزاج القرآن أتى بخلافه؟
الشيخ: لا أعلم أن كلمة (الحكم) في القرآن أُطلق على غير معناه التام، على معنى جزئي وهو مجرد الفعل، إنما احتجاج الخوارج بها على الفعل احتجاجٌ باطل.
سؤال: ما رأيكم في قانون"الأحكام للأسماء والأسماء بالحقائق"؟
(1) انظر الدرس [21] ، شرح المقدمة الثامنة:"هل يجوز احتجاج العالم بحكم كلي على فعل جزئي".