فهرس الكتاب

الصفحة 735 من 809

"والفرض أن التارك مطيع دون الفاعل؛ فيلزم أن يكون أرفع درجة منه، هذا خُلف ومخالفٌ لما جاءت به الشريعة، اللهم إلا أن يُظلم الإنسان فيؤجر على ذلك وإن لم يُطِع؛ فلا كلام في هذا":

أنا أعتقد بأن الشيخ هنا يناقش الصوفية؛ لأن هناك من تعبَّد بترك المباحات، والتعبُّد بترك المباح بدعة، فإذًا هو يريد أن يقول أن ترك المباح ليس من الدين في شيء؛ لا يتعلق به أمر ولا يتعلق به ترك، لأنه ثبت أن ترك المباح جملة -كما قال الشيخ ابن تيمية- يوقع في الإثم لزومًا، كيف؟ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أقوامًا زهدوا في المباحات، فألجأهم هذا الزهد إلى المعاصي وإلى القاذورات: فلو واحد لا يريد أن يأكل أكلًا مباحًا تعبُّدًا لله؛ ماذا ستكون النتيجة؟ سيأكل الحرام أو يأكل القاذورات، فقال: نتيجة هذا التعبد وقع في الأمة فأنتج النتيجتين، كلٌّ بحسبه، أناس قالوا بأنه قد خلت الأرض من المباحات، ففي النهاية كل شيء حرام، كما يفعلون اليوم، يقولون:"كل شيء حرام"، وهذه الجملة يقولونها ليبرِّروا لأنفسهم وقوعهم في الحرام:"تريد أن تتكلم عن البنك؟ الآن كله ربا!".

وناس آخرون يتركون المباح، ويذهب إلى المزابل! وهذه يقول شيخ الإسلام أنهم وقعوا فيها. اليوم لا يذهبون للمزابل، كلهم يقعون في الأولى، أما العباد القدماء كانوا يتركون المباحات فيضطرون إلى الخلوات والوقوع في قاذورات الناس ظانين أنها هي المباح في هذا الزمان، هذه النتيجة للأسف.

"والسادس: أنه لو كان ترك المباح طاعة؛ للزِم رفع المباح من أحكام الشرع، من حيث النظر إليه في نفسه، وهو باطل بالإجماع، ولا يخالف في هذا الكعبي؛ لأنه إنما نفاه بالنظر إلى ما يستلزم، لا بالنظر إلى ذات الفعل، وكلامنا إنما هو بالنظر إلى ذات الفعل، لا بالنظر إلى ما يستلزم":

هذه مهمة، يقول الشيخ -رحمه الله- بأننا إذا جعلنا المباح طلبًا للفعل؛ خرج، لن يكون هناك مباح؛ لأنه حينئذ يدخل إما في المندوب وإما يدخل في الواجب. لكن هو يناقش رجلًا معتزليًا اسمه الكعبيّ، وقد ناقشه الغزالي أيضا في (المستصفى) وهو يقول:"المباح إما مستحب أو واجب"؛ لأنه كما أنه نفاه في الترك مما تقدَّم، الآن نفاه في الطلب، يعني نفى أن يكون المباح داخلًا في الترك، على أي معنى سواء الترك على جهة الوجوب، على جهة الحرام، أو على جهة الكراهة. فالمباح لا يدخل في الأمر بالترك، ولا يدخل بالأمر بالطلب.

الآن يقول لو دخل في الأمر بالطلب لارتفع، لم يعد مباحًا؛ لأن المباح هو الاستواء. لكنه يناقش الكعبي الذي زعم بأن المباح إما مندوب أو واجب، لماذا؟ قال:"لأننا رأينا أن كل مباح لو تركه المرء لأدَّى إلى المعصية، وإذا فعله أغناه عن المعصية"،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت