لكن ما الذي يتقرَّب به إلى الله في عدم استظلاله؟ فأمره أن يترك ما كان معصية لأنه نذر في أمر ليس هو من الطاعات في شيء، وأمره أن يُتمّ ما كان طاعة لله وهو الصوم.
"قال مالك: أمره -عليه السلام- أن يتم ما كان لله طاعة، ويترك ما كان لله معصية":
لماذا سماها مالك معصية؟ لأن النذر عبادة فجعل الإباحة عبادة، وأدخل في العبادة ما ليس منها، وهو ألا يستظل، يعني هي بدعة. ليس هذا له تعلق فقط في الإباحة، لكن لأن الرجل جعل الإباحة عبادة فنهاه عن ذلك، وإلا لَبقيت في مجال الإباحة، فلو أحب أحد أن يجلس في الشمس لا يأثم إلا أن يضرك -وسيأتي كيف يتحول الحلال إلى حرام-.
فجعل نذر ترك المباح معصية على المعنى الذي ذكرناه، كما قال الثلاثة الذين جاؤوا لبيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم تعبَّدوا بالمباح، لو أن رجلًا من جهة نفسه لم يأتِ النساء؛ فهذا شأنه، لكن أن يفعله وينسبه لعبادة لله؛ فهذا لا، وقد نهاهم عنه.
والخامس: أنه لو كان تارك المباح مطيعًا بتركه -وقد فرضنا أن تركه وفعله عند الشارع سواء- لكان أرفع درجة في الآخرة ممن فعله، وهذا باطل قطعًا":"
هو الآن يربط الفعل بأثره الغيبي والنهائي في الآخرة؛ أنه لو ترك المباح مطيعًا إذًا له أجر، إذًا هو أرفع مقامًا في الآخرة.
"فإن القاعدة المتَّفق عليها أن الدرجات في الآخرة منزَّلةٌ على أمور الدنيا":
هذه ضعوا تحتها خطًا واحفظوها.
"فإذا تحقق الاستواء في جميع الطاعات؛ تحقق الاستواء في الدرجات":
يعني إذا جاء رجلان قد تحقَّقا بفعل الطاعات ظاهرًا وباطنًا فقد تحقق استواؤهما في الدرجات يوم القيامة.
"وفعل المباح وتركه في نظر الشَّارع متساويان، فيلزم تساوي درجتيْ الفاعل والتارك إذا فرضنا تساويهما في الطاعات":
لو أن رجلًا جاء تاركًا لفعل وجاء رجل فاعلًا لهذا الأمر، كلاهما قد طبق أمر الشارع؟ تساويا في الآخرة أم لم يتساويا؟ تساويا في هذا الفعل.