هنا نقطة مهمة جدًا: قال أن تساوي الأدلة لا يعود إلى حقيقتها، بل يعود إلى النظر، كيف؟ لما تضعون عصا في الماء؛ فأنتم ترونها مكسورة؛ هل انكسرت في الحقيقة أم انكسرت في نظركم؟ فالناظر إلى الأدلة يراها متساوية أو متقاربة، وهو ليس باعتبار الأصل ولكن باعتبار نظره، وهو المكلف به: المرء مكلف بأن يعمل بعلم، أما على الحقيقة؛ فقد يصيب وقد يخطئ، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إذا نزلتم بحصن فطلبوا النزول على حكم الله تعالى فأنزلوهم على حكمكم، فإنكم لا تدرون أصادفتم حكم الله تعالى فيهم أم لا) ، فالمطلوب منك أن تبذل وسعك لإدراك الحق، فإذا ثبت لديك الحق؛ تقوله، وتعمل به، قد تصيب وقد لا تصيب، وفي كلا الأمرين إن كنت من أهل ذلك: إما أن تصيب الأجر أو الأجرين.
قال -انتبهوا لهذه الكلمة لأنها تستخدم كثيرًا في كتب أهل العلم-:
"فتساوي الأدلة أو تقاربها أمر إضافي بالنسبة إلى أنظار المجتهدين":
يعني أنه مضاف إلى الشخص المجتهد، إلى الناظر.
"فرب دليلين يكونان عند بعض متساويين أو متقاربين، ولا يكونان كذلك عند بعض؛ فلا يتحصل للعامي ضابط يرجع إليه فيما يجتنبه من الخلاف مما لا يجتنبه":
قال أن الضابط في قضية تساوي الأدلة أو تقاربها بحسب الناظر غير موجود، وهو أصلا ليس من أهل النظر.
"ولا يمكنه الرجوع في ذلك إلى المجتهد؛ لأن ما يأمره به من الاجتناب أو عدمه راجع إلى نظره واجتهاده -يعني راجع إلى نظر واجتهاد المجتهد-، واتباع نظره وحده في ذلك تقليد له":
كأنه يريد أن يقول أن هذه المسألة خطاب للعالم، ولكن المشكلة في العامي.
"من غير أن يخرج عن الخلاف، لا سيما إن كان هذا المجتهد يدعي أن قول خصمه ضعيف لا يعتبر مثله، وهكذا الأمر فيما إذا راجع المجتهد الآخر، فلا يزال العامي في حيرة إن اتبع هذه الأمور وهو شديد جدًا، والحديث: (ومن يشاد هذا الدين يغلبه) ، وهذا هو الذي أشكل على السائل، ولم يتبين جوابه بعد."
ولا كلام في أن الورع شديد في نفسه، كما أنه لا إشكال في أن التزام التقوى شديد؛ إلا أن شدته ليست من جهة إيقاع ذلك بالفعل؛ لأن الله لم يجعل علينا في الدين من حرج، بل من جهة قطع مألوفات النفس وصدها عن هواها خاصة":"