يريد أن يقول هنا بأن الورع شديد، يعني أنه شديد في التكليف، ويقول أن التزام التقوى شديد، لكن ليس هو حديث عن فعل التقوى وفعل الورع أنه صعب وشديد، بل من جهة قطع مألوفات النفس وصدها عن هواها خاصة.
"وإذا تأملنا مناط المسألة؛ وجدنا الفرق بين هذا الورع الخاص":
إذًا معنى كلامه أن الورع والتقوى في حقيقة الأمر ليس فيه حرج، لكن لما نسبت إلى الفاعل -وهو صاحب الهوى وهو الإنسان-؛ صارت شاقة، والدليل على هذا أن موسى - صلى الله عليه وسلم - قال لنبينا - صلى الله عليه وسلم - لما جاءه بخمس صلوات: (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه) ، فهي خمس صلوات، هل هي من الحرج؟ ليست من الحرج، {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ؛ ولكن لما أضيفت إلى النفس البشرية التي فيها الهوى؛ علم موسى أنها ما زال فيها مشقة، ولذلك قال الله -عز وجل-: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} .
فإذًا هي من جهة أنها تصادم الهوى؛ فيها مشقة، لكن هي من جهة ذاتها ليست بمشقة.
"وإذا تأملنا مناط المسألة -أي علتها-؛ وجدنا الفرق بين هذا الورع الخاص وغيره من أنواع الورع بينا":
أي أن هذا الورع الذي يتكلم عنه ليس كالورع في ترك المنهيات البينة، هذا ورع خاص.
"فإن سائر أنواع الورع سهل في الوقوع، وإن كان شديدا في مخالفة النفس، وورع الخروج من الخلاف صعب في الوقوع قبل النظر في مخالفة النفس":
هو يقارن هذا الورع الخاص بالورع العام، الورع العام قرروا أنه ما ليس فيه حرج في حقيقته، إنما كان الحرج لما أضيف لهوى الإنسان، لكن يقول أن ورع الخروج من الخلاف ليس كذلك -أي ليس سهلا في الوقوع صعبا في مخالفة النفس-، بل هو ورع شديد من جهة نفسه أيضا، أي أنه تكليف فيه الحرج قبل أن يقع على المكلف الهوى.
"فقد تبين مقصود السائل بالشدة والحرج، وأنه ليس ما أشرتم إليه":
أي أن مقصود السائل هو كل الأحكام، لما جاؤوا إلى قوله - صلى الله عليه وسلم: (وحفت الجنة بالمكاره) ؛ قالوا له أن الجنة أصلها أنها حفت بالمكاره؛ فأصل كل التكليفات أن فيها حرج بهذا المعنى، وهو رد عليهم وقال: ليس هذا المقصود، هذا حرج خاص، لأنه ليس على جهة مصادمة هذا الفعل لهوى الإنسان ولكن هو حرج في نفسه.