"وحينئذ لا يكون المتشابه منها إلا الأقل، وأما الورع من حيث ذاته، ولو في هذا النوع فقط؛ فشديد مشق، لا يحصله إلا من وفقه الله إلى كثرة استحضار لوازم فعل المنهي عنه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره) ، هذا ما أجاب به":
هو ما زال في سوقه لكلام المجيب، فأولًا: قال بأن الشريعة فيها مختلف فيه وغير مختلف فيه، والمختلف فيه على قسمين: قسم الخلاف فيه معتبر لتقارب الأدلة -لا نقول تساويها، هذا مستحيل، لأنه لا يمكن أن يكون الشيء ونقيضه قد تساوت فيهما الأدلة، ولذلك كلمة"متساوي"عليها ما عليها-، وقسم غير معتبر. فإذًا هناك مسائل مختلف فيها الأدلة فيها متقاربة، يقول لك أن هذه هي التي يدور حولها الوضع، أما المسائل التي الأدلة فيها بينة؛ فيتبع الأدلة وانتهى الموضوع.
ثانيا: قال: ولكن حتى هذا الذي نتركه من جهة الورع -وهو في المسائل التي تقاربت أدلتها-؛ فأصل الشريعة أن النار حفت بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره، فهذا هو الحرج الذي يتحدث عنه، فهذا النوع من الحرج الذي تقولون بأنه حاصل لمن ترك ورعًا المسائل المختلف فيها -وهي المسائل التي تقاربت فيها الأدلة-، هذا الحرج قد جاءت به الشريعة بقوله: (حفت الجنة بالمكاره) ، فالجنة لا يدخلها إلا من أتى بأفعال فيها الحرج وهي التي سميت بالمكاره.
وهذا رد من رد عليه، وهو كما ترون متين وقوي، ولكنه وقع في نفس الشيخ شيء آخر، فقال:
"فكتبت إليه: بأن ما قررتم من الجواب غير بيّن؛ لأنه إنما يجري في المجتهد وحده":
هذه نقطة مهمة افتحوا أذهانكم لها: لا يجوز للفقيه أن يعطي حكمًا إلا وهو عالم بإمكانية تطبيقه، فالفقيه ما دام يقول:"افعل كذا"؛ فيجب عليه أن يكون عالِمًا أن ما أمر به ممكن التحقيق، والشيخ الشاطبي هنا لم يناقش المسألة؛ بل ناقش تطبيقها، فكلام الراد متين كما ترى، لكن هو يقول أن المشكلة ليست في المجتهد، فالمجتهد عنده حلها؛ لكننا نتكلم عن عموم الناس كيف يطبقونها.
ولذلك هذا من الفقه، هذا من النظر، لما تعطي فقهًا للناس عليك أن تعلم إمكانية تطبيقه على عمومهم، وهذا على قاعدة الاطراد والعموم، وعلى قاعدة جريان الأمر على مجرى عادات الناس التي لا تنخرم، لا بركنها، ولا بأصلها، وهي هنا تنخرم؛ إذ يعطي حكمًا لا يجري على مجرى العادات، لأنه لا يصلح له إلا الفقيه، فالفقيه يمكن أن يناقش فيها، ولكن الأصل أن العامي ليس مطلوبًا منه أن يذهب للكتب، والكتب التي كتبها فقهائنا ويذكرون فيها الخلاف لم تكتب للعامة، بل كتبت للعلماء، وغير المجتهد يذهب للعالم فيسأله، فالمجتهد يجري فيه ما تقدم من كلام المجيب.