بالطرق الرسمية -معه شهادة كذا يدفع مال كذا إلى آخره-؛ ولذلك اصطبغ العلم الشرعي بصبغة الدنيا مطلبًا -يريد شهادة يعمل بها- ووسيلةً؛ فذهبت هيبة العلم. قد يقال أن هذا أفاد الناس ولكنه في الحقيقة أفسدهم، ولو بقي المشايخ في المساجد على طرق حلقات العلم القديمة والناس يفزعون إليهم أو في المعاهد العلمية المفتوحة للناس؛ لكان هذا فيه خير عظيم، ولكن حدث ما حدث من تدمير مؤسسة العلم ومحوها، وكل دولة من دول الطواغيت أوجدت مؤسسة علم رديفة لها تحميها، تجد هنا هيئة كبار العلماء ومؤسسة آل البيت، المؤسسة الحسنية، وفي زمن صدام المجلس الإسلامي الشعبي، وزمن القذافي مؤسسة الدعوة الإسلامية، وهكذا، وكلها مؤسسات تخضع لمن يدفع، فذهبت هيبة العلم.
فلا يمكن أبدًا أن تحيا الأمة من غير علماء، ولا يمكن أن تتقدم الأمة نحو مقاصدها إلا بقيادة العلماء، وهذه قاعدة تاريخية مطردة، لأن هذا دين، ودين يعني أن يكون العلم هو الأول: باب العلم قبل القول والعمل، وباب العلم قبل النصر، يجب أن نفهم أن العلم لا يمكن أن يستغنى عنه، لكن الذين يطالبون بالعلم عليهم أن يكونوا على إحياء مؤسسة العلم في داخل بناء الإسلام الصحيح، وليس داخل مؤسسات رسمية مقصدها الدنيا -ليس كل من فيها يتهم-.
إحياء الأمة لا إذابتها:
فلا بد أن نحييَ مؤسسة العلم، وهذه تعيدنا إلى أن الجماعة الحقة هي التي تحيي الأمة لا التي تذيبها، هذه نقطة في غير الباب لكنني مضطر أن أقولها: لا يمكن أن تزول الغربة الثانية التي نعيشها إلا بإعادة إحياء الأمة بمؤسساتها، والدولة هي نهاية مظهر الأمة في قوتها وضعفها، في صعودها وهبوطها، الدولة ليست عمامة توضع على رأس لا يتلاءم معها، الدولة هي نهاية نفقِ تَكَوُّن الأمة، وهذه طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهو أنشأ أمة، وهذه الأمة -وبالعزة العظيمة التي بثها رسول الله فيها-أوجدت المؤسسات التي تحقق مقاصدها ومن ذلك الدولة.
ولذلك خطاب الحدود، خطاب الجهاد، كلها خطابات ليست لجماعة، هي خطابات للأمة، قال تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ} ، أنت يجب أن تحكم.
إذًا ما هي الدولة؟ هي فقط وكيل عن هذه الأمة، فالمطلوب هو أن توجد هذه الأمة، وإلا بعد ذلك هي مجرد عودة إلى صناعات هيكلية قائمة على غير أساس وعلى غير قواعد سهلة الزوال.