فهرس الكتاب

الصفحة 641 من 809

وهذه هي معضلة كل طالب علم لم يجلس لدى العلماء؛ فهو يبقى في شك فيما يُعلِّم وفي تقديره لمستوى العلم الذي يقدمه للناس، أما عندما يجلس عند العلماء؛ تكون ثقته فيما يعلِّم، ويعرف نفسه من خلال هذه السلسلة، وهذه قضية تبقى في نفس المرء إن نشأ عن طريق الكتاب فقط، وربما تكون عاملا إيجابيًا تدفعه دائمًا إلى التقدم والإحساس بالتقصير، وربما كذلك تدفعه إلى الغرور، وربما لجهات أخرى.

الأمر الثاني أن مؤسسة العلم -التي هي الأخذ من الشيوخ- هي إبقاءٌ لتراث عظيم ينبغي أن يحافَظ عليه، وهذا مهم لبقاء الأمر اجتماعيًّا، ولإنشاء لفطرة مجتمع، وإنشاء طبيعة مجتمع، فكما أن الناس الآن يتحدثون عن التمثيليات ويتحدثون عن المغنيين؛ في المجتمع المسلم يكون الحديث عن طبيعة العلم، وعن المشايخ والتنافس، إلى آخره، وهذا يُنشئ حركة علم، وهو تميز لهذا المجتمع.

القصد بأن أفضل الطرق هو أن تسمع (طرق الأداء المعروفة) ، وترى (تأخذ السمت والفضائل) .

والكتاب عظيم لكنه مؤلم، هذه قاعدة يجب أن تعرفوها، وهذا يعرفه من عانى أخْذَ العلم فقط عن طريق الكتب، وهذا الألم إما أن يكون دافعًا للمرء أن يتقفر ويحفر من أجل الوصول إلى السمات التي تُشكل مظهر العلماء السابقين، وإما أن يجعله يسقط ولا ينتفع بما يقرأ؛ فالذي كان نصيبه وبلاؤه أن يأخذ العلم فقط من الكتب ووقف فقط على شفيرها؛ فهذا لم يأخذ شيئًا، ولكن الذي يطلب العلم الحقيقي عن طريق الكتب سيتألم، وسيتعب، وهي ضرورة أخذ العلم عن طريق الكتب -وليست فطرية-، والحديث يشهد لها، وإذا رجعتم إلى كتب مصطلح الحديث تجدون بابًا في طرق تحمل العلم يسمى ب"الوجادة"، وقد استشهدوا بحديث فيه مقال موجود في (الباعث الحثيث) للشيخ شاكر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أخبروني بأعظم الخلق عند الله منزلة يوم القيامة، قالوا: الملائكة، قال: وما يمنعهم مع قربهم من ربهم، بل غيرهم؟ قالوا: الأنبياء، قال: وما يمنعهم والوحي ينزل عليهم، بل غيرهم، قالوا: فأخبرنا يا رسول الله، قال: قوم يأتون بعدكم يؤمنون بي ولم يروني، يجدون الورق المعلق فيؤمنون به، أولئك أعظم الخلق عند الله منزلة أو أعظم الخلق إيمانا عند الله يوم القيامة) ، وهؤلاء يُمْدحون من جانب أنهم أخذوا العلم من أشق طرقه لأنه مؤلم، ويمدحون بأنهم وصلوا فيه إلى ما يقارب ما يؤخذ من العلماء عن طريق المشافهة والجلوس والاستماع والقراءة، فيمدحون من هذا الجانب.

والعلماء كذبوا عليهم بمؤسسات رسمية تسمى الجامعة، فأكبر مصيبة أصابت العلم الشرعي هي مصيبة إدخال العلم في المؤسسات الرسمية والقواعد الروتينية -والتي تسمى بالبيروقراطية- لتحصيل العلم، فصار الرجل إذا أراد العلم لا بد له أن يدخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت