تؤدي بنا أن يبقى هذا العلم متصلًا بالرجال، وهؤلاء الرجال يدقَّق أمرهم في تاريخنا كما تدقِّق دوائر المخابرات في خصومها أو في رجالها تدقيقًا قويًا جدًا حتى يدخلوا إلى خواص أنفسهم يراقبونها، ولذلك الإسلام عندنا يثبت بالظاهر، والعدالة لا تثبت إلا بالباطن؛ فليس كل مسلم في الشهادة والرواية عدل، هذا هو قول جمهور أهل العلم -ليس إجماعًا لكن هو قول الجمهور-، فالعدالة تثبت بالباطن وذلك عن طريق التحقق، وتحقق وجود العدالة في الباطن يعني بأن الأصل السلب (عدم الوجود) ، فمعرفة هل المسلم عدل أم لا تحتاج إلى زيادة معرفة وزيادة علم.
والعلماء كانوا يدققون في دين الرجل، في سلوكه، في أمانته، في روايته، في علمه، وكان في تاريخنا مؤسسةٌ للعلم، وينبغي أن تفهموا أن العلم في تاريخنا أعظم مؤسسة أنتجها الإسلام، وهي القيمة العليا، والعلماء هم أعظم مؤسسة مسيطرة على مفهوم الأمة، فالحكام تحتها، والشعوب تحتها، وهم يتحركون بأمرهم، ومؤسسة العلم ينبغي أن تبقى على طريقة السلف لا أن تصاغ بطرق المؤسسات الموجودة اليوم، والمقصود بالمؤسسة هي حضور في الذهن وليس ربطًا هيكليًا يسهل دخول الفساد فيه.
والصراع بين مؤسسة العلم ومؤسسة الدولة صراع في كل الأمم، وفي تاريخ أمتنا نرى محاولة إدخال العلماء تحت سيطرة الحكام، ولذلك كان إحساس علمائنا في هذه المسألة على درجة عالية جدًا، وهذا الهروب الذي اشتهر من علمائنا بعدم قبول القضاء وعدم الذهاب لأبواب السلاطين -مع أنهم يعتبرونهم شرعيين- إنما هو لئلا تذوب مؤسسة العلم في داخل طغيان وآلة الدولة، فالدعوة يجب أن تبقى منفصلة عن الدولة، والدولة لها مَهماتها التي من بينها حماية الدعوة، ولكنها ينبغي أن تكون في أفقها الأعلى وفي أفقها الكبير الذي يمثله العالم، وهذه قضية مهمة.
وأول باب لسقوط مفهوم الأمة هو سقوط علمائها، سقوط المؤسسة، ولذلك لما سقطت الدولة الإسلامية كانت الأمة قد سقطت قبلها بذوبانها في الدولة؛ فالدولة سهلٌ سقوطها لأنها كيان هش في التاريخ الإنساني يسقط يزول، كيان إداري وعسكري يأتي ويذهب، لكن مفهوم الأمة يبقى لأن مفهوم الأمة أوسع وأعظم وأقوى من مفهوم الدولة، والأمة هي مؤسسة العلم التي تقودها، فسهل جدًا أن تعود، ولكن الذي حدث أن الدولة استطاعت أن تتغول فتُدخل مؤسسة العلماء إلى داخلها، فسقطوا وذابوا، سواءً كان عن طريق المفتي الشرعي، أو مؤسسة العلماء، أو هيئة كبار العلماء إلى آخره، وكل ما ترونه الآن من مؤسسات علمية داخل مؤسسات الدولة هي في الحقيقة تقوية للدولة، سواءً أكانت مسلمة أم كافرة، ولكنها تقوية كتقوية الحشيش المخدر؛ يقوى قليلا ثم ينتهي إلى الهلاك والدمار، فينبغي على مؤسسة العلم أن تبقى قائمة بعيدة عن هذا كله.
القصد من هذا أن أفضل طرق التعلم هو أن يرى المرء نموذج العلماء: