فهرس الكتاب

الصفحة 643 من 809

فالقصد -أيها الإخوة الأحبة- أن الشاطبي -رحمه الله- تكلم كلامًا عظيمًا في أهمية وجود العالم، وكيفية تكوينه، وكيف تأثيره، وأنا قلت لكم في درس سابق بأن العالم ليس إنتاجًا شاذًّا، بل هو إنتاج أمة وإنتاج واقع.

المقدمة الثانية عشرة:

"فصل:"

وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات تتفق على ما تقدم، وإن خالفتها في النظر، وهي ثلاث: إحداها: العمل بما علم؛ حتى يكون قوله مطابقا لفعله؛ فإن كان مخالفا له؛ فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يقتدى به في علم، وهذا المعنى مبين على الكمال في كتاب الاجتهاد، والحمد لله"."

وهنا أريد أن تنتبهوا إلى أنه لا يجوز الأخذ عن رجل لا يقف بعلمه، والكلام ليس فقط للإبانة عما في النفس، الكلام في أول مقاصده هو للإبانة عما في النفس، لأن الكلام في الفؤاد، وإنما جُعل اللسان عليه دليلًا -على غير ما يحتج بهذا الكلام الأشاعرة-، وكما قال الشاعر:

بين أقداحهم حديث قصير ... هو سحر وما سواه الكلام

فالكلام إبانة عما في النفس، لكن هل الكلام مشاعر؟ هذا الذي أريد أن تهتموا له.

لا يمكن لكلمةٍ لا يثق بها صاحبها أن تصل إلى درجة التأثير التي تحدث كلمةٌ يثق بها صاحبها، فالكلام لا يحمل فقط معانٍي لكنه يحمل مشاعر وإرادات، وكلما اقترب الرجل في نفسه من صدقه مع الكلمة كان أثرها على الآخر أقوى، ولذلك أنت تعجب في تاريخنا من بعض العلماء إذا جلس كيف يؤثر في الناس، بخلاف آخرين، هل تظنون أن السبب هو أن هذا يصرخ وهذا لا يصرخ، أو لأن هذا يملك معلومات أكثر؟ هذا جانب موجود ولكن لا بد من النظر إلى المعاني، إلى سمت هذه الكلمة وإلى واقعها في نفس المتكلم ومقدار معرفتك لثقل هذه الكلمة في نفس المتكلم؛ هل هي كلمات ومجرد تراب ينثرها، أم أنها معاناة حياة، وكلمات صدق يريد أن يبني بها مَنْ أمامه فيحس من أمامه أنه معني بهذه الكلمة، وهذه قضية مهمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت