فهرس الكتاب

الصفحة 631 من 809

أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم؛ لأخذه عنهم، وملازمته لهم؛ فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا كان شأن السلف الصالح":"

{فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} ، الولي المرشد مهم جدًا بالنسبة لطالب العلم والمبتدئ، ولكن الكلام عن الأصل لا يعني إلغاء وجود الاستثناء، وهذا نتحدث عنه لاحقًا إن شاء الله، لكن هنا علينا أن نمشي مع الشيخ ولا نخالفه في هذه المسألة: أن من تربى على يد الشيوخ ليس كمن تربى على يد الكتب، لكن دائمًا لا بد في الحياة من وجود تحويلة، وأنتم تعلمون أن السلفية المعاصرة قامت على تدمير الشيوخ؛ فلما أرست شيوخها أعادت إنتاج القواعد التي هدموا بها الشيوخ لاتباع مشايخهم، وهذه سنأتي إليها فهي من مهمات ما سنتحدث عنه قادمًا بأن الأصل أن تمشي الطريق المعهود، فإذا أُقفل أو فسد؛ لا بد أن نجد تحويلة لأن هذا هو مناط العلم، وهذا ما يبينه النص وليس من عندي.

إذًا لا بد للعالم أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم بأخذه عنهم وملازمته لهم، ولذلك كانت النساء ترسل أبناءها إلى مجلس أحمد ليتعلموا منه سمته، فالجلوس مع العلماء يسهل لك الطريق.

والله -يا إخوة-، أنا أعرف من نفسي كيف أن بعض المسائل المعضلة بذلتُ سنين وأنا أبحث عنها لأعرف معناها، وهذه الكلمة لماذا قيلت، وما هي مطابقتها لما قيلت له، وكيف أطلقت على هذا الأمر، لو قلت لكم اضطربتُ فيها عشر سنوات وخمسة عشرة سنة والله صدقوني! وأنا أعطيكم إياها في جلسة واحدة!

والذي يفيدك في هذا العلم هو أن تبني عقلك بطريقة رياضية، إياك أن تذهب إلى النتيجة من غير المقدمات، ومفسدة علوم المعاصرين أنهم يذهبون للنتائج دون مقدماتها، وهذه تحتاج شرح طويل، وهي مسألة: ما هو سبب فساد الشيوخ المعاصرين، وما هو سبب عدم وصول المشايخ المعاصرين إلى مقررات هي بينة عند سلفنا؟ وظلت هذه المسألة تدور في عقلي لأكثر من أسبوعين، والسبب أنهم ذهبوا إلى النهايات دون أن يعجنوا أنفسهم مع المقدمات.

القصد أيها الإخوة الأحبة أن الشيخ ضروري، فمن أراد ألا يكون له شيخ، فسوف يتعب، ولذلك من نعمة الله على طالب العلم أن يجد شيخًا يقطع له الطريق، وعندما تعرض له المسألة يسأله فيجيبه.

لكن لا تظنوا أن شيوخنا وأن سلفنا العلماء كانوا يأخذون فقط عن الشيوخ ولا يقرؤون الكتب، لم يصنع عالم في تاريخنا من غير قراءة، ولكنهم يقعدون القواعد والأصول عن طريق الشيوخ، ويأتون إليهم يسألونهم، ولذلك نشأ علم يسمى"السؤلات": سؤالات أبي داوود لأحمد، سؤلات الآجري لفلان، وهكذا ونشأت كتب عظيمة، كتاب (العلل) للداراقطني هو كتاب عظيم أملاه الداراقطني بالسؤلات على تلميذه البرقاني.

وهذا حديث مؤلم وبلاد في زمن يُصَوح فيه العلم، أي أنك تصرخ ولا تجد عالِمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت