"فيذهب على العالم الأرجح من وجوه الترجيح، وأشباه ذلك؛ فلا يقدح في كونه عالما":
نحن أمام مسألة مهمة جدًا، والشافعي أرسى معالمها في (الرسالة) ، وهي أن هناك أمور في الشريعة بينة لا يجوز للمعارض أن يخالفها، وهي التي اعتمادها على النص، وهذه مذكورة في وجوه حصول الاختلاف بين الناس، وهي التي يسميها المعاصرون بالثوابت، وهناك أمور مبناها على الاجتهاد، وهذه يجوز فيها الخلاف، ولذلك الشيخ -رحمه الله- يؤصل لنا هنا أسباب اختلاف العلماء، وهي مسألة قديمة كتب فيها العلماء كثيرًا، وكتب فيها ابن حزم ولكن بغير تفصيل ربما في قريب من صفحة يذكر كيفية اختلاف العلماء وأسبابه، وابن تيمية أخذ كلامه من كتاب (الإحكام في أصول الأحكام) وزاد فيه وبنى عليه وفرع عليه وصنع كتاب (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) .
"ولا يضر في كونه إماما مقتدًى به، فإن قصر عن استيفاء الشروط؛ نقص عن رتبة الكمال بمقدار ذلك النقصان؛ فلا يستحق الرتبة الكمالية ما لم يكمل ما نقص":
إذن العالِم إذا نقصت فيه الأصول فلا يدخل في مرتبة الكمال حتى يحصلها، وليس شرطًا فيه ألا يخطئ في الفروع والأحكام، وأنتم تعلمون بأن العالم المقتدى به (الإمام) لا يكون كذلك حتى تكون له أصول خاصة، فلماذا يقولون هذا مجتهد المذهب؟ يعني أنه يجري على مجرى أصول إمامه وإن خالفه في الفروع، لماذا يقولون محمد بن حسن الشيباني حنفي؟ لأنه يجري على أصول أبي حنيفة مع أنه خالفه في ثلثي المذهب هو وأبو يوسف، ولكنهم يجرون على أصوله.
"فصل:"
وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات تتفق على ما تقدم، وإن خالفتها في النظر، وهي ثلاث:
إحداها: العمل بما علم؛ حتى يكون قوله مطابقا لفعله، فإن كان مخالفا له؛ فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يقتدى به في علم، وهذا المعنى مبين على الكمال في كتاب الاجتهاد، والحمد لله":"
الشاطبي من أول ما بدأنا إلى الآن وهو يعود إلى هذا الأصل المكين وهو أن الرجل لا يكون عالِمًا حتى يعمل بعلمه، ما خلت مقدمة من هذه الفائدة العظيمة، وهذه ليت الذين يتحدثون عن الشاطبي يبرزونها.
وأصحاب التربية يعدون أعظم طرقها هي التربية بالمثال، لأنها لا تُنسى، فلما تقابل جيش المسلمين مع جيش الروم وانغمس انغماسي مجاهد في صفوف الروم؛ قال الناس أنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، فرد عليهم أبو أيوب الأنصاري بسبب النزول، وهو أنه حضر المثال الذي نزلت فيه هذه الآية، وهذا تجدونه في الجهاد، تجدونه في السجن، تجدونه في العمل؛ إذا كنت في العمل فجاءت الآية استقرت في نفسك، أما أن تجلس تعلِّم وتعلم فالعلم يصبح كالطعام، وإدخال الطعام ينسي بعضه بعضًا، والكلام على الكلام كالطعام على الطعام، لكن الرجل الذي يعيش مع العلم، تأتي إليه النازلة فيحتاجها فيسأل، هذا لا ينسى ويترسخ لديه العلم؛ فالعلم الذي يتحقق به العمل هذا لا ينسى، ويصبح ملكة نفس.