فهرس الكتاب

الصفحة 628 من 809

"غير أنه لا يشترط السلامة عن الخطأ البتة؛ لأن فروع كل علم إذا انتشرت وانبنى بعضها على بعض؛ اشتبهت":

مجمل ما يريده الشاطبي في قضية العلم هو أن يميزه، فهذه الشروط التي وضعها هي ليستطيع الرجل أن يميز العلم عن غيره من العلوم، ويميزه عن الخطأ الذي يدخل فيه، فيقول هنا أنه ليس من شرط هذا العالمِ المتحقق ألا يخطئ.

لماذا الخطأ؟ نحن قلنا أن كل حركة في الوجود -كما كل شرع شرعه الله- إنما هو أثر من آثار صفات ربنا، والله -عز وجل- هو العزيز وهو المتكبر: (والعزة إزاري والكبرياء ردائي) ، فلا بد أن يخطئ الإنسان حتى يعلم أن الكمال لا يكون إلا لواحد -وهو الله-، فالنبي لهذا المعنى يخطئ، ومن الحِكم التي تُذكر عن الفاروق في عزله لخالد أنه من أجل أن يعلم الناس أن النصر لا يكون بخالد، وهناك قاعدة لعمر -رضي الله عنه-، دائمًا ضعوها وطبقوها في حياتكم هي:"مات النصراني":

لما اتخذ أبو موسى الأشعري كاتبًا نصرانيًا؛ سأله عمر عن سبب هذا فأجاب أبو موسى أنه لم يجد غيره، فقال عمر:"مات النصراني!"، دبر حالك، أعتبره مات، وهذا مثل لما تطلب من رجل حضور عمل صالح فيعتذر بدكانه، نقول له:"انحرق الدكان"، فهذه قاعدة عظيمة حين تطبقونها تسعدون في حياتكم، ليس هناك شيء في الوجود لا تستطيع الاستغناء عنه إلا الدين والقيم، لأنك خلقت من أجلها، لكن للأسف الكثير طبق هذه القاعدة على الدين، أما مسائل الدنيا من فأقاموا الدنيا من أجلها ولم يقعدوها. فعندما يريد رجل أن يخرج للجهاد، ويعتذر بأهله وأن لا مطعم ولا عائل لهم سواه؛ نقول له: مت! اعتبر نفسك خرجت فضربتك سيارة؛ كيف سيعيشون حينها؟!"مات النصراني"طبقها تسعد في دينك ودنياك.

"لأن فروع كل علم إذا انتشرت وانبنى بعضها على بعض اشتبهت":

الأشياء تتمايز حين تكون في تجلياتها الكلية، فإذا أردت أن تعرف الفرق بين التراب والماء مثلًا؛ لا بد أن تحضر ترابًا في تجلياته الكلية بأن لا يكون فيه ماء، والماء لا يكون فيه تراب، حينئذ تستطيع أن تميز بين التراب والماء، ولكن إذا بدأ الاقتراب، ودخلت بعض الرطوبة في التراب، والقليل من التراب في الماء؛ حينها يقتربان حتى يدخل الماء كله في التراب ويلغى وصف التراب ووصف الماء، فيصبح حينئذ طينًا، الذي هو شيء جديد.

فهذه قاعدة علينا إعمالها، وهي أنه ما نضربه في الكونيات يطبق في الشرعيات أيضا، فالله سبحانه ضرب بنوره: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} ، ونوره سبحانه وتعالى أزلي، وربنا غير مخلوق فصفاته غير مخلوقة، ومع ذلك ضرب بالمثال الذي نعيشه حتى نفهم، فما قلنا عن التراب والماء نقوله كذلك عن العلوم؛ العلوم تقترب وتختلط حتى ربما تمتزج فيصبح هناك علم آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت