الأمر الآخر للرد عليه: أنتم تعلمون أن ما سمي بالعقل الكلامي أو العقل المعتزلي يعده علماؤنا اختراقًا لعقل المسلم الموحد الذي صنع التاريخ الإنساني؛ فالصحابة صنعوا التاريخ من الكتاب والسنة، وبدأ الانحدار في تاريخ أمتنا لما جاء الفكر الإغريقي اليوناني ودخل عليه، فما يريدون أن يحيوا به الأمة هو أساس فسادها، إلا إذا كنا على مذهب أبي النواس:
دَعْ عَنْكَ لَوْمي فإنّ اللّوْمَ إغْرَاءُ ودَاوني بالّتي كانَتْ هيَ الدّاءُ
قال -وهذه مهمة كذلك تكلمنا عنها سابقًا ولا نريد أن نقف عندها-:
"قادرا على التعبير عن مقصوده فيه":
ثانيا:
لا بد للعالم أن يكون قادرًا على التعبير عن مراده، وهذا الفرق بين العالم وبين غيره، وقلت لكم سابقًا بأنه كلما اتضحت المسألة في نفس الرجل؛ كان أقدر على الإبانة عنها في لسانه، لكن كيف هذا يلتقي مع الكلمة التي قلناها عن الشافعي أنه قال:"تتلجلج في نفسي أمور بينة لا أستطيع الإبانة عنها"؟
هنا حديث عن العلم في الأصول والعلم بالقضايا العامة والبينة، وهناك حديث عن النفس، وقلت لكم سابقًا إن أشق حديث يقابله العالم الحديث عن النفس، أما المسائل المادية والكونية والواضحة والعقلية فهي مجردة وواضحة لدى العالم، ولكن حين يأتي الحديث عن النفس؛ هو يحاول أن يصيدها، وأعلمُ الناس صيدًا للحديث عن النفس هم الشعراء.
القصد أن الفرق بين العالم وبين العامي أن العامي يتعامل مع الفطرة في العلم -كثير من الناس يسحون به، ولكن لا يعرفون التعبير عنه-، والعالم يتعامل معه بقواعد العلم، فيستطيع أن يعبر عنه.
وهل يتمايز العلماء في التعبير؟ الجواب: نعم، يتمايز العلماء في التعبير، والتعبير له أهميته وله ضرورته، وقد يُدخل معانٍي لو عُبر عنها بلفظ آخر أضعف لَغابت تلك المعاني.
قال:"قادر على التعبير عن مقصوده فيه، عارفًا بما يلزم عنه":
ثالثًا: أي عارفًا بما يترتب على هذا العلم.
قال: قائمًا على دفع الشبه الواردة عليه فيه:
رابعًا: سبق أن قلنا بأن العلم استشهاد واعتضاد ودرء الاعتراض؛ فالعالم إذًا عليه أن يكون عالمًا بكيفية رد الشبه الواردة على هذا العلم.
"فإذا نظرنا إلى ما اشترطوه وعرضنا أئمة السلف الصالح في العلوم الشرعية وجدناهم قد اتصفوا بها على الكمال".