عندما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تحصل المعجزة بخروج الماء من بين أصابعه الشريفة؛ ما الذي احتاجه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليحصل الوجود بغير موجده السببي الكوني؟ احتاج أن يحضر الماء، ولم يحصل أن خرج الماء من غير وجود أصله -وهو وجه المعجزة-، بل جيء للنبي - صلى الله عليه وسلم - بإناء فيه ماء فوضع أصابعه الشريفة ففاض الماء وجعل يشغب من بين أصابعه. وعندما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تحصل المعجزة بالتكثير للطعام في غزوة تبوك؛ ما الذي احتاجه؟ جمعوا له ما بقي من طعامهم وجعلوا يأكلون، فكان لا بد من الأصل، وهكذا في قضية جابر -رضي الله تعالى- عنه في غزوة الخندق.
وهذا نستفيد منه في مسائل التشريع والعلم: نعجب لمن يريد أن يبني العلم وأن يحصل العلم الكثير ويشغب العلم من قلبه على لسانه إلى الناس من غير وجود الأصل!؟ فيأتي رجل من أجهل خلق الله لا يعلم شيئًا ولم يدرس، ثم يتصورون من حال هذا الرجل أن يجلس مجلس العلماء ويفتي في مذاهب الفقهاء، ويتحدث عن العلوم وعن القضايا العظيمة، وهو يقول هذا فتح إلهي! هذا كذب ولا وجود له، ولم يحصل في تاريخ أمتنا قط، الممكن أن يكون لديه أصل العلم، ثم قد يحصل أن يبارك الله -عز وجل- في هذا العلم فيحصل فيه البركة والخير الكثير وينمو كما نما الماء؛ ويخرج من قلبه، ولكن لا بد من وجود الأصل.
وهذه النقطة التي ذكرتها يجب تعمميها في قضايا النصر والهزيمة كذلك: أمة جالسة لا وجود للأصل عندها ولا حركة، ثم تريد أن تحيا! هذا لا وجود له، لأن الله -عز وجل- أقام لهذه الأمة الأسباب وأوجب عليها الأخذ بها، حتى الأنبياء لم يحصل لديهم النصر المطلق بأن خرجوا على أعدائهم فصرخوا صرختهم وانتصروا عليهم، هذا لا وجود له، بل لا بد من وجود الأصل.
إذًا عندما يتحدث الناس عن الإلهام؛ قديمًا كانوا يريدونها عن طريق الكرامة والمعجزة، واليوم يريدونها عن طريق البرشام، بحيث يأخذ حبة فيصبح حافظًا عالمًا لصحيح البخاري! والناس في زمان علي كأنه وقع في قلوبهم هذاـ فقالوا: (هل خصكم رسول الله بشيء؟) ، وهذا دليل على أن الفتن والبدع سريعة الحدوث، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ما أسرع ما تنسون) ، لما دخل الرجل فسلم فذكر له النبي - صلى الله عليه وسلم - أجر السلام، ثم لما قام الرجل لم يسلم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ما أسرع ما تنسون، ليست الأولى بأحق من الثانية) ، وقال الصحابة: ما أسرع ما غيرتم وما بدلتم، فقد بدأ التغيير والتبديل بمجرد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهكذا هي لعبة الشيطان مع الإنسان.
فينبغي أولًا أن نبني البناء ثم نرجو البركة، والناس يريدون البركة بلا أصل ولا بناء، ويطلبون العلم من غير طريقه.
"فالإمكان مسلم -وهو حصول الإلهام- ولكن الواقع في مجال العادات أن لا بد من المعلم، وهو متفق عليه بالجملة وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، كاختلاف جمهور الأمة والإمامية -وهم الذين يشترطون المعصوم- والحق مع السواد الأعظم الذي لا يشترط العصمة، من جهة أنها مختصة بالأنبياء -عليهم السلام-":