فهرس الكتاب

الصفحة 623 من 809

ثانيًا: يتحدث عن علوم طريق تلقيها هو الحياة، العقل يدركها في بداهة النظر، وهي قضايا يجتمع فيها الناس جميعًا. ولا يفارق في هتين المرتبتين إلا من حرم قدَرًا من نعمة الإدراك أو نعمة الوجود الكوني في العطاء الإلهي، بأن لا يكون له عقل ويخرج مجنونًا إلى آخره.

والشيخ يمهد الآن لقضية أن أفضل طرق التعلم هي أخذ العلم عن طريق الشيوخ المتحققين به كمالًا وتمامًا.

"وكلامنا من ذلك فيما يفتقر إلى نظر وتبصر":

إذًا هو يخرج هتين القضيتين السابقتين من الحديث عما أراد ونصب له المقدمة، فإذًا هو العلم الذي يحتاج إلى نظر وتبصر.

"فلا بد من معلم فيها وإن كان الناس قد اختلفوا هل يمكن حصول العلم دون معلم أم لا، فالإمكان مسلَّم ولكن الواقع في مجاري العادات أن لا بد من المعلم، وهو متفق عليه في الجملة، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل؛ كاختلاف جمهور الأمة والإمامية -وهم الذين يشترطون المعصوم- والحق مع السواد الأعظم الذي لا يشترط العصمة، من جهة أنها مختصة بالأنبياء -عليهم السلام-، ومع ذلك؛ فهم مقرون بافتقار الجاهل إلى المعلم، علما كان المعلَّم أو عملا، واتفاق الناس على ذلك في الوقوع، وجريان العادة به كاف في أنه لا بد منه، وقد قالوا:"إن العلم كان في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال"، وهذا الكلام يقضي بأن لا بد في تحصيله من الرجال؛ إذ ليس وراء هتين المرتبتين مرمى عندهم، وأصل هذا في الصحيح: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء) ، الحديث، فإذا كان كذلك؛ فالرجال هم مفاتحه بلا شك":

لقد صار حول هذه الكلمة مدار بحث طويل بين الشيوخ وبين المقلدين وبين المذهبين وبين دعاة عدم المذهبية، وهي قوله:"إن العلم كان في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال":

إذًا الشيخ يريد أن يقول لنا بأن هتين القضيتين الأوليين لا يحتاج فيهما المرء إلى بصر، الأولى هي في غريزته عندما خرج من بطن أمه، الثانية أخذها دون شعور منه، وقد يشعر ولكن هي تجري فيه في حياته، الآن جاء إلى العلم الآخر، وهو ما احتاج إلى بصر ونظر، مثل الفنون: فليكون الإنسان نجارًا أو حدادًا أو حائكًا لا بد أن يتعلمها، والطريقة التي جرت بها العادة في حصول هذا العلم هو أخذها عن طريق الرجال.

لكن هل هناك علم الإلهام؟

يقول أن هذا واقع، وهنا نأتي إلى نقطة مهمة جدًا، وهي في التكوين كما في التشريع، وهي أنه لا بد من وجود الأصل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت