"صح تحكيم ذلك المعنى في النص بالتخصيص له والزيادة عليه، ومثلوا ذلك بقوله -عليه السلام-: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) ؛ فمنعوا -لأجل معنى التشويش- القضاء مع جميع المشوشات، وأجازوا مع ما لا يشوش من الغضب؛ فأنت تراهم تصرفوا بمقتضى العقل في النقل من غير توقف، وذلك خلاف ما أصلت، وبالجملة؛ فإنكار تصرفات العقول بأمثال هذا إنكار للمعلوم في أصول الفقه":
هنا يأتي الظاهر في البيان، ويأتي الظاهر في العقل، وهذه شرحناها عندما أردنا أن نبين علوم الشريعة، فقلنا أن هناك من يعمم اللفظ بحسب مرتبته، وهناك من يعمم المعنى فيعمل القياس، وهذا من عموم الشريعة. فلما يقول النص: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) ؛ ما الذي طرأ على ذهنك بادئ الأمر عندما سمعته؟ المقصود ألا تشوش عليه، فإذًا عممت التشويش سواءً كان بالجوع، أو بالاحتقان، أو بالنوم الغالب، أو السنة الغالبة، فأنت أعملته، ثم أنت خصصت بما لم يكن مشوشًا: فالغاضب غضبًا يسيرًا لا يؤثر على عقله، فقال الشيخ: هذا الذي طرأ على ذهنك عندما سمعت الكلام، فأنت خصصت، وهو تخصيصٌ بالعقل، فعلى القاعدة أن العقل لا يقبح ولا يحسن، هو يقول: نحن رأينا عند العلماء تخصيصًا بالعقل، فأعملنا ما بدا للعقل ابتداءً في فهم النص.
والآن يرد عليهم:
"فالجواب: أن ما ذكرت لا إشكال فيه على ما تقرر":
هو يقول: كلامكم لا ينفع في الرد على ما قلت.
"أما الأول:"
فليس القياس من تصرفات العقول محضا، وإنما تصرفت فيه من تحت نظر الأدلة":"
يقول: لم نعلم القياس من جهة العقل؛ إنما علمنا القياس من جهة الشرع، فإذًا كان القياس خاضعًا للشرع.
"وعلى حسب ما أعطته من إطلاق أو تقييد":
ولذلك قال الشافعي:"القياس كالتيمم"، فلا يصار إليه إلا عند فقد النص، وقالوا بأن ليس كل قياس معمول به، فهناك قياس فاسد، فهذا تقييد له، هل أحد يقول أن آية فاسدة نعوذ بالله؟ فالنص مطلق، والقياس مقيد به -أي بالنقل-.
"وهذا مبين في موضعه من كتاب القياس؛ فإنا إذا دلنا الشرع على أن إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه معتبر، وأنه من الأمور التي قصدها الشارع وأمر بها، ونبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على العمل بها؛ فأين استقلال العقل بذلك؟ بل هو مهتد فيه بالأدلة الشرعية، يجري بمقدار ما أجرته، ويقف حيث وقفته."