الظاهرية في هذا الباب أكثر انسجامًا من الأشاعرة القائلين بالقياس؛ فالظاهرية قالوا لا يوجد حكمة، ولا يوجد علة، ولا يوجد قياس لأن الأصل باطل -وهو الحكمة والتعليل-، أما الأشاعرة فلم يقولوا بالحكمة والتعليل، ومع ذلك أجازوا القياس، وخرجوا هذا على ما قلناه، بأنه وجدت أمارة على القبح، وهي العلة، لكن العلة ليست شيئًا ثابتًا في الشيء، فهم يقولون أن النار لا تحرق، لكن عند النار يحصل الإحراق، فالنار أمارة على الإحراق وليست فاعلًا، ليست سببًا للإحراق، فهم يقولون أن العلة أقامها الشرع قرينة على الشيء وليست في ذات الشيء، وأن الشارع أقامها ليعلمنا إياها، فأقامها بجانبها كما أقام الإحراق عند النار، وهذا جهل، ولذلك هم متناقضون، وهنا تأتي كلمة"مخانيث"، التي يستخدمها البعض على معنى السب وهي على معنى اجتماع الضدين، والمخنث عنده الأمران، ولذلك يقولون: الأشاعرة مخانيث المعتزلة، على معنى أنه يأخذ منه شيء ويخرج منه شيء، يأخذ منه التعليل ويهرب إلى غيره وهكذا. فالظاهرية على هذا أكثر انسجامًا منهم.
"لأنهم واقفون مع ظواهر النصوص من غير زيادة ولا نقصان":
ونحن نقول أنه يجب الأخذ بالنصوص من غير زيادة ولا نقصان، وعندما نقول بالأخذ بالعلة فنحن نأخذ بالنص، فالقياس ليس دليلًا بل هو كاشف للدليل، فهي عبارة قلقة من الشيخ هنا، ولو أنه فصل فيها لكان حسنًا.
لكن لو أردنا أن نفسر كلامه على المعنى الحسن؛ ف"من غير زيادة ونقصان"على معنى أنه ينفي القياس المتعدي إلى غير ما حكم به بظاهر النص، مثال ذلك: ابن حزم يقول بعدم جواز سجود السهو إلا بما نُص عليه، فعندنا أربعة أحاديث في سجود السهو، فيقول بأن سجود السهو لا يجوز إلا في هذه، ولا يجوز في غيرها، والعلماء لم يفهموا هذا، بل فهموا أن هذه علاماتٌ دالة على المعاني؛ فالشافعية حملوها على سجود السهو بعد السلام مطلقًا، والحنفية حملوها على السجود قبل السلام مطلقًا، والمالكية -وهو اختيار البخاري- قالوا بالزيادة والنقصان، وأحمد حملها على أربعة أقسام وأعمل الأربع أحاديث، كل واحدة لها قسمها: الزيادة يكون فيها سجود السهو بعد السلام، والنقص يكون فيه سجود السهو قبل السلام، ومن شك يأتي بأقلها ويسجد قبل السلام، ومن غلب على ظنه يأتي بغلبة الظن ويسجد بعده.
فالقصد؛ هؤلاء نظروا للمعاني، وابن حزم نظر فقط إلى الحدث ووقف عنده.
نعود ونقول أن الشيخ الشاطبي قرر ما قرره الأصوليون والمتكلمون بأن العقل لا دور له، وإلغاء العقل يعني إلغاء القياس، فهو يورد الاعتراضات على هذا فيقول:"الذي تقوله من إلغاء العقل هي طريقة ابن حزم"، أي:"ما قررته من إلغاء العقل هي طريقة الظاهرية"، وهو طبعًا ليس معهم في شيء، الشاطبي في كل كتابه يمر على الظاهرية على معنى الاختلاف وليس على معنى الموافقة، فيقول أن هذا مشكل لأن هذا القول بإلغاء العقل هو قول الظاهرية الذين يلغون الاعتبار والمعقول جملة.