"والثاني ما تبين في علم الكلام والأصول": علم الكلام المقصود به كتب العقائد، والأصول لأن مسألة التحسين والتقبيح تبحث في كل كتب الأصول.
"ولو فرضناه متعديًّا": الضمير يعود على العقل، أي لو فرضنا العقل يتعدى حد الشرع؛"لكان محسنًا ومقبحًا".
قال:"هذا خلف": يؤدي إلى إبطال ما تقرر من أن العقل لا يحسن ولا يقبح.
"والثالث: أنه لو كان كذلك؛ لجاز إبطال الشريعة بالعقل، وهذا محال باطل":
وهذا في الحقيقة خطأ، نحن فصلنا العقل عن الهوى، وعن رغبات النفوس، وعن اللذة، فلو جردنا العقل في أحكامه بما وُضع فيه من علم صحيح وفطرة صحيحة وتربية صحيحة؛ فلا يمكن للعقل -حين يحكم- أن يحكم بغير حكم الشرع، ونحن نتكلم عن القضايا الأولى التي تدرك بالعقل من الحسن والقبح، والشيخ كأنه يجوز للعقل -لو تُرك بغير مؤثرات الهوى والفتنة والتنشئة- أن يُنتج خلاف الشرع، وهذا لا يمكن، وهذا لو ألزمنا الشيخ به لا يمكن أن ينتج علم المقاصد، لأن المقاصد مبناها على العقل، ولما نراعي الجزئي وهو النص ونراعي الكلي وهو المقاصد والمآلات؛ فالمقاصد والمآلات هي مسألة عقلية، فإذًا أنت جوزت لمن ينظر في المآلات والمقاصد أن يخطئ الطريق وينتجَ خلاف الشرع، ولا يمكن أن يكون هذا.
وهذا تدقيق في كلامه، والشيخ مرات يجري مجرى بيئته وعصره، ورحم الله شيخي الإسلام ابن القيم وابن تيمية؛ فإنهما خرجا من أصولهما لينظرا إليها من أعلى، ولا يتقيدا بما يقوله السابقون منهم.
"وبيان ذلك أن معنى الشريعة أنها تحد للمكلفين حدودا؛ في أفعالهم، وأقوالهم، واعتقاداتهم، وهو جملة ما تضمنته، فإن جاز للعقل تعدي حد واحد؛ جاز له تعدي جميع الحدود؛ لأن ما ثبت للشيء ثبت لمثله، وتعدي حد واحد هو معنى إبطاله؛ أي: ليس هذا الحد بصحيح، وإن جاز إبطال واحد؛ جاز إبطال السائر، وهذا لا يقول به أحد لظهور محاله":
إذا جوزنا للعقل شيئا واحدًا يجب علينا أن نعمم، والتعميم يبطل الشريعة كلها.
"فإن قيل: هذا مشكل؛ من أوجه:"
الأول: أن هذا الرأي هو رأي الظاهرية؛ لأنهم واقفون مع ظواهر النصوص من غير زيادة ولا نقصان، وحاصله عدم اعتبار المعقول جملة، ويتضمن نفي القياس الذي اتفق الأولون عليه":"