النقطة الثانية: لا نلزم أنفسنا بالتزام المعتزلة بأن الثواب والعقاب يترتب على التحسين والتقبيح العقلي، فنقول: الثواب والعقاب يكون بعد ورود الشرع.
إذًا النقطة الأولى أننا نعرف الحسن والقبح بالعقل، ثانيًا العقل ليس مُنشئا للأحكام، والآيات في هذا كثيرة تعرفونها، منها: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} .
ثالثًا: وهي القضايا التي لا تُدرك بالعقل، فنقول بأنه يجوز للشرع أن يأتي بما لا تدركه العقول؛ مثل العبادات والنسك غير معقولة المعنى، ولكن الشرع لا يأتي بمحالات العقول، أي ما يصادم العقل. إذًا نحن نقول بالتحسين والتقبيح العقلي ولكن ليس على الإطلاق لأننا نعتقد بأن العقل عاجز عن إدراك الكمال فيما هو حسن وقبيح، فهو لا يمكن أن يُعرفنا بأن الوضوء لازم للصلاة، الشرع فقط يأتي بمثل هذا.
كان هذا ما يتعلق بالتحسين والتقبيح، ولم نقف على كل مسألة بما يلزم؛ ولكني فتحت لكم الأبواب أن تفكروا في هذه القضايا لأنها مهمة في بناء العقل الأصولي يا مشايخ.
الآن بقيت نقطة: هل يمكن أن يتعارض العقل مع النقل؟
لا يتعارض العقل الصريح مع النقل الصحيح أبدًا، وهذه كيف نستفيد منها في الفقه؟
نحن على غير طريقة بعض الأئمة الذين يقولون أن هناك أشياء على خلاف القياس، القياس أمر عقلي، ولا يوجد شيء عندنا في الشرع على خلاف القياس، هذه قاعدة مهمة، وهذه مسألة عند القياس إن شاء الله نفصل فيها بالأمثلة التي يضربونها، وقد مثلنا قبل قليل بقضية العارية، وفي قضية السلم، وفي قضية صلاة المنفرد خلف الصف، وهذا شرحه ابن تيمية وبسطه ابن القيم بسطًا واسعًا في (إعلام الموقعين) .
نعود حيث توقفنا من كلام الإمام الشاطبي.
"والثاني: ما تبين في علم الكلام والأصول من أن العقل لا يحسن ولا يقبح، ولو فرضناه متعديا لما حده الشرع؛ لكان محسنا ومقبحا، هذا خلف":
إذًا هو يريد أن يقول بأن العقل لا يحسن ولا يقبح، ويمكن أن نحمل كلمته محملًا صحيحًا: بأن العقل لا يحكم بالحل والحرمة، الحديث ليس عن ذوات الأشياء، فذوات الأشياء يُدرك الكثير منها بالعقل، والتحسين والتقبيح هنا مقصوده الحكم بالحل والحرمة، وهذا كلام صحيح: الشرع يحدد الحل والحرمة، لكن هل العقل يدرك صفات الأشياء -أي حقائقها-؟ هذه انتهينا منها، ولذلك هذا حملناه على محمل حسن، وهذا هو الواجب علينا في كلام أئمتنا: