والتعليل في أفعال الله -عز وجل- وأحكامه وشرعه، فالفرق بينهم وبين المعتزلة أنهم قالوا أن الأشياء لا تحمل حسنا في ذاتها، وهذه مسألة تجدونها في كتب الأصول القديمة:
هل الحسن صفة ذاتية في الأشياء أم أن الحسن والقبح أمران طارئان بحكم الشرع؟
هل الأشياء والأفعال كالصدق والكذب والبول والبراز والماء والخمر وهكذا، هل تحمل حسنًا وقبحًا في وصفها في ذاتها أم أنها اكتسبت الحسن والقبح بعد ورود الشرع وهي في الذات واحدة؟ لما قلنا بأن الجوهر عندهم هو أصغر شيء في الذات والجوهر شيء واحد في كل شيء؛ إذًا الأشياء لا تحمل فرقًا في الحسن والقبح، فجوهر البول كجوهر الماء، وجوهر العذرة كجوهر حبة التفاح، إذًا من أين أتى الحسن والقبح؟ أتى الحسن والقبح عندهم بورود الشرع فقط -طبعا كل ما قالوه أبطلته الفيزياء المعاصرة-، وكما قالوا هذا في الأشياء؛ قالوها في الأفعال، قالوا بأن الكذب لا يحمل قبحًا في ذاته إنما صار قبيحًا بعد ورود الشرع بتقبيح الكذب، فإذًا هل يجوز على الله أن يفعل ما نقوله من الظلم؟ قالوا: نعم، لأن كلمة الظلم لا تحمل قبحًا ولا حسنًا وليست حاكمة على الله، فلو فعلها الله لما كانت قبيحة، كل هذه إلزامات قالها الأشاعرة، هم يعظمون جانب الله أنه لا يخضع لشيء، وهذا لم يقله فقط الأشاعرة؛ بل قاله أستاذ الظاهرية ابن حزم أيضا لأنه ينفي الحكمة والتعليل. وهذا مبنيٌّ على مسألة تجدونها مبثوثة في كتب الأصول للأوائل ككتاب الأسنوي (التمهيد في تخريج الفروع على الأصول) ، وهي: هل الأشياء تحمل وصفًا ذاتيًا أم لا؟ هل وصف الأشياء بالعرض أم بالذات؟ بالعرض أي أنه شيء زائل، بالذات أي أنه يحكم في أصله.
وقبل أن نصل إلى ما يقرر المحققون في التقبيح والتحسين العقلي؛ نحن نعتقد أن الله لم يعظم شيئًا من جهة الشرع إلا وهو معظم من جهة القدر؛ فعندما نقول بأن الكعبة المشرفة عظيمة في شرعنا فنحن نعتقد أن تربتها عند خلقها أفضل من بقية الترب التي خلقت في بقية الأرض، وجسد النبي - صلى الله عليه وسلم - نحن نعتقد أنه مميز عند الخلق عن بقية البشر، وهذا شرحه ابن القيم في أول (زاد المعاد) .
الآن؛ ما هو قول أهل السنة في موضوع التحسين والتقبيح العقلي؟
أولًا: نحن نعتقد بأن الأشياء والأفعال تحمل صفة القبح والحسن عند الخلق، ولذلك نعتقد بالتحسين والتقبيح العقلي، مع استثناء سنذكره، وانظروا إلى قوله تعالى: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ، إذن هناك صراط مستقيم، {إِنَّ رَبِّي} ، أي بشرعه {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ، وهو خلقه وتكوينه، إن ربي بشرعه على طريق قويم فيما خلق وقدر -سبحانه وتعالى-، إذًا نحن نعتقد بأن الصدق قبل ورود الشرع حسن، وأن الكذب قبل ورود الشرع قبيح.
وهذه النقطة لو فهمتموها وعممتموها أدركتم فساد ما يقوله الناس الآن في الأعمال؛ الكثير من الناس اليوم يغلقون أعينهم في زعمهم أنهم يتبعون السنة وهم يضربون رؤوسهم في الحيطان، يصرون على طريقٍ العالم كله يراه طريقًا مغلقًا، ومرة أولى يضربوا رؤوسهم بالحيط ومرة ثانية وثالثة، ويصرون أن السنة جاءت هكذا! وهذه لها نتائج عظيمة إن فهمناها في فهمنا لشرع الله -عز وجل-.