يقولون بأن الله لا يقدِر أن يخلق الأشياء على غير ما هي عليه، فلا يمكن أن تُخلق النار بغير إحراق، وهذا ينقضه: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا} .
فإذًا المعتزلة يعظمون الإنسان، وأول ما نشأت"الحضارة المعاصرة"أرادت أن تعظم الإنسان، لما هذا الإنسان صعد إلى القمر، لما خاض البحار، لما اكتشف، لما شعر أنه يملك العلوم؛ بدأ تعظيمُ الإنسان وتأليهه، ولذلك أعلن نيتشة كلمته القبيحة:"موت الإله"، نيتشة الفيلسوف الألماني الذي يعتبر المحققون للعلوم أنه هو الذي أنتج فكرة الإنسان السوبر، وطبقها هتلر، حتى أنه لم يعلن أن الإله غير موجود، هو قال أن الإله لا دخل له في هذا الوجود وأننا نحن الذين نصنع حياتنا، وشرحَ هذا في كتاب (هكذا تكلم زراديشت) ، وزراديشت هو الفيلسوف الآسيوي المعروف الذي يعظم القدرة الإنسانية، وهذا هو أساس فلسفة اليونان، وإذا قرأتم الإلياذة فإنها صراع بين الإله والإنسان، فأساس فكرتهم تقوم على أن هناك صراع بين الرب وبين الإنسان، والإنسان يستطيع أن يخرج من إطار من خلقه، ومن إطار سيده، وهذا هو أساس نظرية أنسنة الإنسان، والحضارة المعاصرة هي وارثة للعقيدة اليونانية والعقيدة الرومانية، فكانوا قبل في أسبرطة إذا ولد ولد ضعيف يرمونه من أعلى جبل؛ يجب ألا يبقى في هذه المدينة العظيمة إلا الأقوياء، الإنسان العظيم.
فالنظرية الآن هي أن الإنسان مستقل، انتهى الإله، وحتى لو كان موجودا لا يهمنا، كما يقول سارتر:"حتى لو كان موجودا لا دخل له فينا، نحن الذين نصنع أقدارنا وشرائعنا".
فهذه النظرية هي التي دخلت هذه الأمة فأوجدت إحياءً لفكر المعتزلة، وهذه قضية تحتاج إلى دروس، وهو كيفية بناء المذاهب الضالة من خلال استقراء التاريخ لإعطاء الشرعية لها، وهذا ذكرناه في مقدمة (الموافقات) ، أن الضلال لا بد له من دليل شرعي يعود إليه، و (الموافقات) نشروها لأنها تخدم فكرتهم في قضية الخروج من النص تحت باب المقاصد والمصالح، فوجدوا هذا المنفذ، ومع أنه منفذ مغلقٌ عليهم؛ ولكن يكفي وجود الكلمة، والتكرار والزمن.
فإذًا الدعوة إلى إحياء فقه المعتزلة أساسها هو هذا، أننا نحن الذين نصعن أقدارنا وبالتالي يجب علينا ويحق لنا أن نصنع شرائعنا، وهذه قضية مهمة لأنها من الفقه الذي يعيشه الناس اليوم.
القصد؛ المعتزلة قالوا بأن العقل يحسن ويقبح، وبالتالي على تحسين العقل وتقبيحه يجب أن يكون الثواب والعقاب، فقبل ورود الأنبياء يعاقب الناس على الكذب لأن العقل يقتضي أن الكذب قبيح.
الأشاعرة في المقابل قالوا بتعظيم النص، والعقل لا يحسن ولا يقبح، والمعتزلة رأينا إلتزاماتهم، التزموا بأنه بتحسين العقل وتقبيحه الإنسان معاقب قبل ورود الأنبياء وقبل ورود الرسالة والحجة الإلهية، الأشاعرة لما قالوا العقل لا يقبح ولا يحسن؛ ألزموا أنفسهم بقولهم أن الشرع يمكن أن يأتي بخلاف ما يقرره العقل، ويمكن للرب أن يعاقب المحسن على قاعدة أنه: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} ! فجوزوا على الله الظلم، وقالوا أن الظلم مقرر بالشرع وليس مقررًا في الأصل؛ ولذلك نفوا الحكمة