فهرس الكتاب

الصفحة 607 من 809

والمدح أن تُعملها، والذم أن تميتها، ولذلك: (أعوذ بالله من العجز والكسل) ، كذلك العقل ملكة في النفس (غريزة) ، الخير أن تعملها؛ فالعقل لا ينشئ معرفة، هو مثل الآلة لا تنتج؛ أنت تضع فيها المادة وهي تشكلها.

ولذلك لا يجوز أن يسمى هؤلاء بالعقلانيين إلا على معنى أنه قد اختلطت في عقولهم المشارب الشيطانية فاستقرت هذه الآلات على إخراج القاذروات، أما أن يُذكر العقل كأساس يناقض النقل؛ فلا، وقسيم الشيء ليس قسمًا له، فالعقل قد تضع فيه الهداية فينتج الهداية، وتضع فيه النص فينتج ثقافة عظيمة كما أنتج في علمائنا، وقد تضع فيه الهوى، فيبدأ بفلسفة الهوى وتمريره وينتج الهوى لكن بصياغة من صياغات البناء الإنساني التي يغتر بها الضعيف، فالعقل تُدخل فيه المعرفة العلمية الصحيحة فينتج علمًا، ولذلك أنت تستغرب، والعقل عقول، وهذه أنا شرحتها في الفرق بين العقل الشعري والعقل الجهادي: الإنسان ليس عقلًا واحدًا، والدليل أنك تجد عالم ذرة، سنني في قراءة الذرة وفي الصعود إلى الآفاق وفي النظر إلى البحار، ولكن عقله في العبادة يعبد البقر، وقد تجده عالِمًا عظيمًا في فنه ولا يستطيع التعامل مع الناس، لا يعرف حكمة إدارة الحياة، فالعقل عقول وليس عقلًا واحدًا، فهذا الجزء من العقل يعمل بطريقة سنية لما أدخل عليه من علوم سنة الحياة التكوينية، وهذا الجزء من العقل يُخرج فسادًا لما يدخل عليه من الفساد في قضايا التأليه والغيب، والأمثلة كثيرة.

إذًا دلَّ هذا على أن العقل ليس حاكمًا؛ هو ينتج ما يُدخَل فيه وله دور في الربط، ودور في المقدمات، وهذا تُنشئه الفطرة التي فطر الله -عز وجل- عليها، وكذلك ما نشأ عليه في الحياة من النظر في الأحكام العقلية وفي الأحكام العادية إلى غير ذلك.

التحسين والتقبيح العقلي:

الشيخ بدأ بعد ذلك في قضية التحسين والتقبيح العقلي، وهذا تابعٌ لما تقدم، المعتزلة قالوا بأنه ما ثبت في العقل حسنه؛ فهو محسَّن في الشرع، وما ثبت تحسينه بالعقل؛ فالإنسان مؤاخذ عليه بحكم العقل له، فالمعتزلة إذًا يحسنون الأمور بالعقول، -النظرية اليونانية: العقل حاكم على الأشياء، هو حاكم على الوجود-، وكذلك يترتب على هذا التحسين والتقبيح الإثم والجزاء، إما الثواب وإما العقاب، فهذه نقطة.

النقطة الثانية: في هذا الزمان بدأت طوائف كثيرة تعيد إحياء فقه المعتزلة، لأن المعتزلة هم أئمة"الأنسنَة"، وهي تعظيم الإنسان، المعتزلة يعظمون الإنسان وعقله واختياراته، وكأنهم يصلون إلى القول بأن الإنسان شبيه الإله، وهذا شرحناه لما قلنا بأن المعتزلة أبعد الناس في الإلهيات وأقرب الناس إلى الكونيات، والأشاعرة هم أقرب الناس إلى السنة (الإلهيات) وأبعد الناس في الكونيات؛ فالمعتزلة يعظمون الإنسان ويقولون أن له إرادة مستقلة، وهذه الإرادة هي التي تخلق فعله، وليس هناك أي إرادة لها دور فيه لا حاكمة عليه ولا آذنة له ولا منشئة له، بل يقولون أكثر من ذلك،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت