فهذا هو الدرس الثامن والعشرون من دروس شرح كتاب (الموافقات) للإمام أبي إسحاق الشاطبي -رحمه الله-، وكنا مع المقدمة العاشرة وهي حديث مهم عن علاقة العقل مع النقل، وعندما يأتي النقل من حبيبنا - صلى الله عليه وسلم - بالحكم في قضية ما؛ فالذي ينازعه شيء كامن في النفس، وحين يمدحه الناس يسمونه العقل، والعلماء لا يسمونه العقل، بل يسمونه الهوى، ولذلك من الأخطاء الكبرى والشائعة التي تمارَس اليوم تسمية مخالفي النقل بالعقلانيين، لأن العقل لا يمكن أن يخالف النقل. ونقول ونكرر بأن العقل لا ينتج معرفةً، هذه نظرية يونانية، يقولون بأن العقل بذاته ينتج المعرفة، أما نحن فنقول أن العقل ملكة من ملكات النفس، غريزة في النفس كما يسميها الحارث المحاسبي، وينسب علماؤنا هذا القول إلى أكثر علماء أهل السنة كالشافعي وأحمد وغيره، بأن العقل غريزة، فالعقل ليس لديه معرفة ينتجها.
وحين يتحدث الناس عن العقل؛ إنما يتحدثون عن قضية جمعية، فلتشكيل اسم العقل؛ تُجمع أمور كثيرة: تجمع الفطرة، يجمع التراث، ولو قال قائل: ما الفطرة، وهل تختلف الفطرة في الناس؟ فهذه مسألة يقف عندها ابن عباس، قال:"إن الناظر في القدر كالناظر إلى الشمس، كلما ازداد نظرًا؛ ازداد عماءً"، ما المقصود بهذا؟ لما يقول الله سبحانه: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ} ؛ الله علم في مرء الخير فهداه، وأنشأه في بيئة مسلمة، أو علم فيه الشر، فالسؤال هو: ما هو أصل التكوين لديه الذي جعله شريرًا؟ فهذه هي النقطة في القدر نقف عندها ولا نفهمها، ولا يمكن لأحد أن يفسرها؛ فهذا رجل نشأ بين أبوين مسلمين علم الله أنه يستحق الهداية فنشأ مسلمًا، وهذا علم الله في قلبه الشر فأنشأه بين والدين كافرين ونشأ كافرًا؛ فما الذي أوجد هذا المعنى في نفس هذا، والمعنى في نفس هذا؟ هذا هو الموقف الذي لا يُفهم، ولذلك في الحديث النبوي: (إذا ذُكر القدر فأمسكوا) ، والمقصود به هذه النقطة وليس المقصود المسائل الأخرى من القدر. وهذه النقطة ذكرناها لأنها مما يُنشئ مسمى العقل، ولكن العقل بذاته ليس فيه أي معرفة.
ولذلك أول قضية حدثت في الوجود: {وَعَلَّمَ آدَمَ} ، فلا يوجد شيء خارجٌ عن التعليم، و {عَلَّمَ} أي أوجد فيه العلم من أجل أن تعمل هذه الملكة -وهذه الغريزة-، فهنا نتجت المعرفة الإنسانية.
ما هو العقل:
ولذلك ما هو العقل؟ كيف يحسن العقل ويقبح، وهي قضية جمعية تشكلها اللغة، تشكلها الفطرة، يشكلها الإنشاء، يشكلها الدين، يشكلها حتى الطعام؛ الطعام الذي تأكله يشكل مزاجك، والمزاج له دور على العقل، ولذلك يقول علماؤنا منذ مئات السنين -ومنهم ابن تيمية- بأن لحم الخنزير يؤثر في فطرة الإنسان وتكوينه ومزاجه، والآن يقولون هذا، وينصحون في تربية الأطفال ألا يأكلوا الحلويات والمواد المهدرجة لأنها تبعث على الشدة والعصبية وتبعث على الشراسة. فيقولون تمامًا ما قاله علماؤنا من سنين، أي أن الذي تأكله يؤثر على مزاجك، والمزاج إحدى الروافد على العقل، وقضية المزاج مع العقل كقضية القلب مع الشرايين؛ القلب بلا شرايين لا يعمل والشرايين بلا قلب لا تعمل، ولا يوجد شيء يُمدح يسمى العقل، وفي قوله - صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي .. ) ؛ الإرادة موجودة في داخلك،