الشيء الثاني في قوله:"بسم الله الرحمن الرحيم" (فقط"بسم الله الرحمن الرحيم") ، في غير القرآن لا تقال إلا في الكتب والرسائل، وأمّا هذه"الرحمن الرحيم"فلا تذكر في أي ذكر آخر، سواء عند الأكل، سواء عند دخول البيوت، وهكذا، فقط: بسم الله، وأما في المصنفات فلا بد من: بسم الله الرحمن الرحيم، وهي مأخوذة من السنة النبوية في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل كما تعلمون.
"الحمد لله الذى أنقذنا بنور العلم من ظلمات الجهالة، وهدانا بالاستبصار به عن الوقوع في عماية الضلالة، ونصب لنا من شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أعلى علَم وأوضح دلالة، وكان ذلك أفضل ما مَن به من النعم الجزيلة والمنح الجليلة وأناله"
إذن أولًا في المقدمة يمدح العطاء الإلهي في العلم، ويجعل أن عطاء ربنا إلى هذه الأُمَّة (العلم) هوأَجلُّ ما يعطى في هذا الوجود، وهذا صحيح، فإن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا ولكن ورثوا العلم، فأعظم ما أعطيت هذه الأُمَّة من الكرامات الإلهية - وهي أفضل الأُمم - هو العلم، والعلم الذي يحصد به ما ذكره الإمام، وخاصة الخروج من ظلمات الجهالة وكذلك الضلالة.
"فلقد كنا قبل شروق هذا النور نخبط خبط العشواء، وتجري عقولنا في اقتناص مصالحنا على غير السواء؛ لضعفها عن حمل هذه الأعباء، ومشاركة عاجلات الأهواء"
هذه الجملة هي نفس كلمة الإمام الشافعي في (الرسالة) يريد أن يبين حال هذه الأمة قبل بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد فصل فيها هناك وذكرها هنا.
النقطة الثانية في هذه الجملة هي أنها خلاصة كتاب (الاعتصام) للشاطبي، وفيها بيان أركان أسباب الانحراف وهما ركنان، وهو هنا يذكر هذين الركنين. وفي (الاعتصام) تكاد تكون الصفحات الأولى كلها شرح لهذا الكلام، وهو أن الضلال يأتي من أمرين، مجموع في قوله في سورة النجم: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ} .