إلى الكتب"؛ فالإمام البيهقي ألف (السنن الكبرى) ، ثم ألف كتابًا سماه (المدخل إلى السنن) ، هو يريد أن يعرفك بالعلم وطرائق النظر، كيفية الدخول، المفتاح، وألفوا (المدخل إلى مذهب أحمد بن حنبل) ، وفقه أحمد بناء عظيم كل غرفة فيه وكل طاقة فيه لها مفتاح خاص، وإذا لم تملك المفتاح؛ لن تستطيع أن تفهمها، سواء في مصطلحاتها، سواء في بنائها، في تاريخها، في كيفية ترجيح الأقوال فيها، في أصولها، هذا هو فقه العلم."
وأمتنا من أعظم الأمم في هذا الباب (كيفية التربية) : هذا العلم كيف يُعطى، هذا كيف يُبنى عليه، هذا العلم كيف يقدم، هذا العلم متى يؤخر، هذا العلم يعطى لمن ولا يعطى لمن، وهكذا، فالعالم عندما يبلغ العشرين أو الخامس والعشرين تراه قد اكتمل، ارتوى، فبدأ إنتاجه وهو في هذا المقتبل من العمر، لأنه أُخذ من صغره وبُني بناءً سليمًا لا شذوذ فيه.
واليوم في دروس الفقه يبدؤون بالصغير ويقولون: عليك بالاجتهاد! اذهب إلى كتب الاجتهاد! وهذا من الجهل، فهم يعيبون كتب المتون ويسقذرونها، وبعد ذلك يخرج المرء بلا شيء حائرًا، ولا يُبنى بناءً علميًا صحيحًا. فعلماؤنا يبنون العلم، فالعلم بناء، له قواعد، له أركان، له سقف، له مزينات، محسنات، وكلها توضع في موضعها الصحيح.
"فمثل هذا يوقع في مصائب، ومن أجلها قال علي -رضي الله عنه-:"حدثوا الناس بما يفهمون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟":"
هذه قاعدة: هناك حق يبطل لأن وسيلته باطلة، فإذا أردت للحق أن يثبت؛ عليك بوسيلة حق له، الحق لا بد له من أرجل، إذا أردت للحق أن يثبت؛ فلا بد أن تُعمله وأن تعمل له بوسيلة حق، وإلا بطل. ولذلك دائمًا في كتاب ربنا لما يذكر فضله وكرامته وعطاءه للأنبياء؛ يذكر أنه أعطاهم الكتاب والحكمة، فالكتاب هو الحق في أُفُقه التام والمطلق، والحكمة هي إعمال الحق في عالم الواقع، قد يقال: أليس الكتاب هو الحكمة؟ الجواب: نعم، الكتاب هو الحكمة، ولكن لما اقترن الكتاب مع الحكمة؛ دلَّ على أن الحكمة هي الجانب العملي في إعمال الحق والكتاب، ولذلك لما قال الله -عز وجل-: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} ؛ ف {هاديًا} : هذا الحق، و {نصيرًا} : أنه يعمل هذا الحق في أرض الواقع، ومن لم يفهم هذا لا يكفيه أن يكون عالِمًا بالحق. ولذلك الغزالي له كلمة رائعة في (الإحياء) ينبغي أن نفهمها، يقول أن كثيرًا من الحق قد ذهب بين الناس ولم يجد له قبولًا، وذلك لأن أصحابه استعلوا به على الناس. فإذا حمل الحق قبيح؛ الناس لا يقبلون عليه، ولذلك كان من رحمة الله -سبحانه وتعالى- للبشر أن حمل هذا الحق أعظم الناس وهم الأنبياء؛ حتى لا يصاب الناس بكره لهذا الحق، لو حمله كاذب ولو كان حقًا؛ لما قبله الناس، لو حمله رجل فيه تهمة لما قبله الناس: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} ، فالحق لا بد أن يُحمل بوسيلة حق، وهذا حقّ حتى هذا في المذاهب المادية: لماذا يقولون مثلًا الماركسية اللينينية؟ ماركس لما وضع نظريته؛ تكلم كلامًا قليلًا في كيفية إيجادها على