فهرس الكتاب

الصفحة 596 من 809

ذكرنا أن من فوائد كتاب الشاطبي -رحمه الله- ذكر قواعد التربية السديدة، وطريقة التعليم والتربية هذا فن يتقنه أئمتنا، وتاريخ هذه الأمة شاهد على إتقان هذا العلم، وقد قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- كما روى البخاري معلقًا:"الربانيون هم الذين يعلمون صغار العلم قبل كبارها": لا تأخذ الناس إلى معالي الأمور دون أن تبنيها بناءً قاعديًا سليمًا، وهذا من طرق التربية، والذين يريدون أن يقفزوا بالناس ويتحدثوا عن كبار العلم دون معرفة أصولها؛ هؤلاء يأتون بالمصائب، لا يفهمونها، ولا يفهمون كيف جاءت، ولا كيف بُنيت، كمن يتكلم عن الفقه وهو لا يعرف بناء الفقه في كتب أئمتنا؛ فيتكلم بالعمومات ويأتي بالمصائب والطامات لأنه لا يعرف.

لذلك قد يكون الرجل فقيهًا للعلم لا فقيها لفروعه، وهذا هو فقه العلم، وهو باب من الأبواب. وللأسف لم يؤلَّف مؤلفٌ خاص في فقه العلم، الذي يسمونه اليوم"إيبيستمولوجيا"، وهو نظام المعرفة وكيفية بناء العلم. وليس الحديث عن الفروع هو المقصود (ما هي أحكام المياه، ما أحكام الطهارة، ما أحكام البيوع) ؛ ولكنه الحديث عن فقه العلم، كيفية بناء هذا الفقه من جهة النظر إليه متكاملًا، وهذا موجود في كلام أئمتنا لكنه يحتاج إلى جمع، هو خفيٌّ يجب عليك أن تبحث فيه، وكتب فيه مجموعًا فقط ابن خلدون في مقدمته، فهو تكلم فيها عن فقه العلم: العلوم في المسألة، نشأتها، تاريخها، سيرورتها، وهكذا، هذا فقه العلم.

إذًا، الحديث عن طريقة تربية العلم مهمة، ولذلك كانوا يقولون عن ابن حزم:"هو عالم بلا سياسة"، وعند ترجمته يقولون:"أخذ العلم ولم يتقن سياسته"؛ فللعلم سياسة في طريقة أخذه: كيف يبث هذا العلم، كيف يبدأ به، والعلماء في هذا عظماء، ألفوا كتبًا للمبتدئين، وألفوا كتبًا للمتوسطين، والعالم الواحد يؤلف كتابًا للمبتدئين، وكتابًا للمتوسطين وكتابًا للمجتهدين؛ يسمونها (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) ، ويؤلفون كتبًا للصغار بسبب ضرورات؛ فكتاب (الرسالة) لأبي زيد القيرواني ألفه من أجل أن يحفظه الصغار في المغرب الإسلامي كي لا يتأثروا بالباطنية الزنادقة الإسماعيلية، وهذا يعلمك كيف تستفيد من الكتاب، إذا فقهت العلم؛ فقهت سيرورته، وفقهت كتبه، وفقهت علماءه، حينئذ تستطيع أن تعرف مقصد الكتاب؛ فلا تأخذه في غير بابه. وكذلك في"الجمهوريات الإسلامية"يعلمون أبناءهم في السراديب، واليوم يكتشفون في كثير من البيوت غرفًا خفية كانوا يدخلون فيها الأولاد يعلمونهم القرآن.

مثلًا من فقه العلم أن تعلم لماذا ألف ابن الصلاح مقدمته، إذا علمت هذه المسألة لم تخرج الكتاب عن حده، وابن الصلاح كان مدرسا يعلم المبتدئين، فطلبوا منه أن يكتب لهم كتابًا في مصطلح الحديث يكون سريعًا للمبتدئين الذين ليس لهم باع في هذا العلم، فكتبه للمبتدئين، وصار الآن علمًا للمجتهدين!

لماذا ألف الذهبي تعليقه على (المستدرك) ؟ ليتمرن.

فهذا شيء يسير من فقه العلم: لماذا ينشأ العلم، ولماذا يقوم، من الذي يتحدث به، من هم رجاله؟ ومن هنا نشأ فقه جديد بدأ ناس يكتبون فيه، وهو المدخل إلى المذاهب، كما كانوا يكتبون قديمًا"المدخل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت