ولا يجوز لمفسر أن يكون بعيدًا عنه؛ كتاب سيبويه هو الذي أرسى علوم الآلة التي يحتاجها أصحاب كل فن: الشاعر، الأديب، المفسر، الفقيه، الأصولي، فالآلة لا يستطيع المرء أن يصنع بغيرها.
ولكني أردت أن أقول هنا بأن هذه لا تجري المجرى التام، ونحن نقول أن حتى القواعد الفقهية لا يجوز أن يُقتصر عليها في الفتيا، وذكر هذا أئمة القواعد: هي لم تنشأ من أجل الفتيا لكن لضبطها، ولا بد من معرفة الكتاب والسنة والإجماع والقياس، لا بد من الكتاب: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} ، لا بد من الرد إلى الله ورسوله.
فالشيخ يقول أن بعضهم يخلط ما كان من صلب العلم بالقسم الثاني -وهو المسائل التي قلنا أنها من ملحه-. وهل هذه من ملح العلم في كل علم؟ لا، هي بالنسبة للفقيه من مُلح العلم، لكن بالنسبة للُّغوي هي من مهمات العلم، كل علم فيه أصول خاصة به وفيه ملح خاصة به، وقد تكون أصول علمٍ من مُلح علم آخر.
"والذي كان من شأنه أن يأتي بها على أنها مفروغ منها في علم النحو فيبني عليها، فلما لم يفعل ذلك، وأخذ يتكلم فيها، وفي تصحيحها، وضبطها، والاستدلال عليها، كما يفعله النحوي":
إذًا هو يتوسع في هذه المسألة على طريقة النحويين وهي ليست من النحو، وهذه قاعدة تكلمنا عنها، وهي قاعدة أنه يجب على طالب العلم، على القارئ، على المدرس، على المحقق للكتب، أن يحترم مقاصد ومهمات الكتب. مثل لَمَّا يأتي معلق ومحشي على كتاب فيطيل في شرح"أما بعد"وهو كتاب أصولي، فهو يتعبه بشرح"أما بعد"، وما هو إعرابها، وما هو أصلها؛ فيملأ الحواشي بصفحتين أو ثلاثة بهذا، وهذه المسألة لا علاقة لها بالأصول ولا علاقة لها بالنحو، ثم إذا جاء إلى مسألة الأصول؛ مر عليها كأنها لم تكن شيئًا؛ فهذا جهل وخروج عن مقاصد الكتب ومقاصد المؤلفين.
"صار الإتيان بذلك فضلا غير محتاج إليه":
إذًا صار الذهاب إلى شرح المسائل التي بنى عليها من الفضول الغير محتاج إليه.
"كذلك، إذا افتقر إلى مسألة عددية؛ فمن حقه أن يأتي بها مسلمة ليفرع عليها في علمه، فإن أخذ يبسط القول فيها كما يفعله العددي في علم العدد؛ كان فضلا معدودا من الملح إن عد منها، وهكذا سائر العلوم التي يخدم بعضها بعضا."
ويعرض أيضا للقسم الأول أن يصير من الثالث، ويتصور ذلك فيمن يتبجح بذكر المسائل العلمية لمن ليس من أهلها، أو ذكر كبار المسائل لمن لا يحتمل عقله إلا صغارها، على ضد التربية المشروعة":"