فهرس الكتاب

الصفحة 588 من 809

مصالح، ومقاصد، ويحتمل البيان، لكن صاحب البيان يفهم، ولذلك كان أئمة البيان في تاريخنا المعاصر هم أعظم الناس اكتشافًا لأعظم معركة عاشتها هذه الأمة (معركة الهوية) .

كان هذا في ذكر اللغة وأئمتها ورجالها، وهي خارج السياق، لكنها نقطة مهمة.

فهذه أمثلة ترشد الناظر إلى ما وراءها، حتى يكون على بينة فيما يأتي من العلوم ويذر؛ فإن كثيرا منها يستفز الناظر استحسانها ببادئ الرأي، فيقطع فيها عمره، وليس وراءها ما يتخذه معتمدا في عمل ولا اعتقاد، فيخيب في طلب العلم سعيه، والله الواقي.

ومن طريف الأمثلة في هذا الباب ما حدثناه بعض الشيوخ: أن أبا العباس بن البناء سئل، فقيل له: لم لم تعمل إن في {هذان} من قوله تعالى: {إن هذان لساحران} الآية [طه: 63] ؟

فقال في الجواب: لما لم يؤثر القول في المقول؛ لم يؤثر العامل في المعمول":"

يعني لما لم يؤثر السحر في أثره إنما غير صورته الظاهرة، فلم يغير العامل، والعامل ما هو؟ هو"إن"، والمعمول"هذان"، فلما لم يغير السحر في الفعل؛ لم يغير في غيره، وهذا خارج التفسير العلمي، ولكن يذكرونه على جهة التزين.

"فقال السائل: يا سيدي! وما وجه الارتباط بين عمل إن وقول الكفار في النبيين؟ فقال له المجيب: يا هذا! إنما جئتك بنوارة يحسن رونقها، فأنت تريد أن تحكها بين يديك، ثم تطلب منها ذلك الرونق، أو كلاما هذا معناه! فهذا الجواب فيه ما ترى، وبعرضه على العقل يتبين ما بينه وبين ما هو من صلب العمل"

انتهى الشيخ من تمثيل صور ما هو من ملح العلم، وهذا يمكن الزيادة عليه كثيرًا، والتمثيل يدل على ما وراءه. إذًا هو تكلم بأن من العلوم ما هو صلبه به وما هو من ملحه، والآن جاء إلى قسم آخر، وهو مطرح:

"والقسم الثالث: وهو ما ليس من الصلب، ولا من الملح: ما لم يرجع إلى أصل قطعي ولا ظني وإنما شأنه أن يكر على أصله أو على غيره بالإبطال مما صح كونه من العلوم المعتبرة، والقواعد المرجوع إليها في الأعمال والاعتقادات، أو كان منْهِضًا -دافِعًا- إلى إبطال الحق وإحقاق الباطل على الجملة؛ فهذا ليس بعلم لأنه يرجع على أصله بالإبطال، فهو غير ثابت،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت