فهرس الكتاب

الصفحة 587 من 809

وطلبة العلم المعاصرين لا يعرفون شيئًا عن علماء العربية، ولا يعرفون أن هؤلاء العلماء كانوا من أعظم الناس علمًا في الحديث وفي الفقه؛ الكسائي مثلًا له قراءة من القراءات المتواترة، والناس لا يعرفون أن أئمة اللغة هم أئمة الدين، وأن أئمة الفقه كانوا فوق ما هم عليه من الحديث والفقه أئمة لغة. بل أقول لكم أن أعظم من اكتشف غزوة تغريب الأمة في هذا العصر هم أئمة البيان، أئمة الأدب، وقد اكتشفوا خطورة هذه الغزوة أقوى وأكثر وأعظم من الفقهاء والمشايخ؛ والمشايخ قد انهاروا انهيارًا جزئيا في معركة التغريب، وأما الذي وقف لها وقوفًا تامًا قائمًا فأعظمهم هم أئمة اللغة والبيان.

كثير من الناس لا يعرف قيمة أئمة اللغة، لا يعرف قيمة الفراء، لا يعرف قيمة الخليل بن أحمد الفراهيدي، لا يعرف قيمة سيبويه، وهؤلاء عباد وعلماء وأهل حديث وأهل فقه، وأعظم من ذلك: هم من أعظم الناس معرفة بكتاب ربنا، وأغلب أهل اللغة في تاريخنا لهم كتب في تفسير كتاب الله على طريقتهم. لكن الجهل بهذا أورث غثاثة في نفوس الشباب اليوم؛ فمن أسباب ما ترونه من جهامة الوجوه ومن قلة الأدب ومن قلة الذوق هو تركهم لكلام الأدباء، الواحد يزعم أنه فقيه وأنه محدث وهو بليد، لأنه لم يتربَّ تربية الأوائل، لم يقرأ للشعر، ولا سمع أن مالكًا كان يروي شعر عمر بن أبي ربيعة، ولا يعرف كذلك أن ابن عباس كان إحدى مجالسه إنما هو قراءة الشعر من أجل أن يرقى الذوق، وكلما ارتقى ذوقك؛ كلما كان ذوقك حساسًا، الكلام له ميزان الذهب، وما ينشئ هذا الميزان هو رقي الإنسان فيه وإدراكه للبيان. الكلام هو الإنسان، البيان هو الإنسان، ولذلك قال سبحانه وتعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ} ، ذكر القرآن للشرف، ولما قال: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} ؛ ذكر: {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} ، فالإنسان هو البيان، والمرء يموت لكلمة، وينفق ماله لكلمة، فإذا كان بليدا، لو صببت عليه الشعر والكلام كله؛ فهو كالحجر أصم لا يتحرك، هذا فقد إنسانيته، لكن لما يدخل واحد بكلمتين يبكي الجموع، وكل واحد يخرج ما في جيبه من المال؛ فالذي حرك فعل الإيمان هو البيان.

والقرآن حرك تلك المشاعر العظيمة في الصحابة لأنهم يعادلون الإنسان الكامل، بمعنى أنهم يحركهم البيان، وكلما تبلد إحساس الإنسان؛ كلما فقد إنسانيته وكلما مات تذوقه للبيان، فالبيان هو الأساس، وهو أعظم ما ينتجه الإنسان، وهو الذي أراده الله ليعرفنا به، ولو كان هناك شيء أفضل من البيان يعرفنا بربنا سبحانه وتعالى لخاطبنا به، ولكنه لما كان البيان هو أعظم ما يعرفنا بالله ويكشف لنا نفسه؛ فإنه أعطانا إياه وأنزله علينا.

ولذلك كان أول من اكتشف تلك الديدان القذرة الداخلة إلى أمتنا وغزوها من الداخل هم أصحاب الذوق والبيان، هم يعرفون كيف يتسلل الكلام وكيف يدخل الشر؛ إحساسهم بالذوق عالٍ، شمهم راقٍ لم يمت، فلما تقال كلمات؛ يفهمونها أكثر مما يفهمها الفقيه، الفقيه يستطيع أن يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت