"فمال بهم هذا الطرف إلى أن تكلموا بلسان الاطِّراح لكل ما سوى الله، وأعربوا عن مقتضاه":
يعني أعرضوا عن مطالب غيره.
"وشأن من هذا شأنه لا يطيقه الجمهور":
والشريعة شرطها الاطراد، وصلب العلم شرطه العموم، ليس لقوم دون قوم، وليس لفئة دون فئة، بل صلب العلم يسع الناس جميعًا ولا يخرج عنه أحد، وهو حاكم لا محكوم عليه.
"والتاسع: حمل بعض العلوم على بعض في بعض قواعده؛ حتى تحصل الفتيا في أحدها بقاعدة الآخر، من غير أن تجتمع القاعدتان في أصل واحد حقيقي، كما يحكى عن الفراء النحوي أنه قال: من برع في علم واحد سهل عليه كل علم. فقال له محمد بن الحسن القاضي، وكان حاضرا في مجلسه ذلك، وكان ابن خالة الفراء: فأنت قد برعت في علمك، فخذ مسألة أسألك عنها من غير علمك: ما تقول فيمن سها في صلاته، ثم سجد لسهوه فسها في سجوده أيضا؟"
قال الفراء: لا شيء عليه.
قال: وكيف؟
قال: لأن التصغير عندنا لا يصغر؛ فكذلك السهو في سجود السهو لا يسجد له؛ لأنه بمنزلة تصغير التصغير؛ فالسجود للسهو هو جبرٌ للصلاة، والجبر لا يجبر، كما أن التصغير لا يصغر.
فقال القاضي: ما حسبت أن النساء يلدن مثلك":"
إذا قرأتم كتب أصول بعض أهل العلم -ككتب الأشباه والنظائر-؛ تجدون في آخرها بعض الملح، وبعض الاستدلالات التي فيها نوع من الاستظراف، وهذه تُحكى بين الناس على جهة المداعبة وعلى جهة استرواح النفس، ولكنها ليست على جهة التأصيل، وهذا يكثر منه أبو حنيفة -رحمه الله-: قال له رجل نزل يسبح: هل أسبح إلى جهة القبلة أو إلى غير القبلة؟ قال: اسبح إلى جهة ثيابك لئلا تسرق، وكذلك قيل له: أمشي أول الجنازة أو آخرها؟ قال: لا يضرك، المهم ألا تكون أنت في الكفن، وهكذا.
فأن يتقن الرجل اللغة فيتقن بها الفقه؛ هذا لا يكون أبدًا، الفقه له أصوله وله قواعده، واللغة لها قواعدها لها أصولها، وهذا معروف وبيّن، لكن في زماننا هذا، أكثر ما أفسد ما يسمى بالحركة