قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ. كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، فهذا فوق صفة الوجوب.
إذًا الشيخ ينبهنا بأن ما تكلم به أصحاب هذه المرتبة -سواء وافقناهم أم لم نوافقهم- هو مرتبة من مراتب الإحسان ينبغي أن نهتم بها، لكننا كذلك علينا أن نراقب أن إدخال التصوف في الفقه ما ليس منه؛ هذا من الشيء الزائد الذي لم تأتِ به الشريعة.
فالشيخ أبو إسحاق يمر على التصوف، ويمر على هؤلاء القوم ويفسر مراتبهم في الفقه، وقد ذكرت بأن من الأمور التي يتميز بها كتاب الشاطبي هذا أنه يمر على مقامات العباد بالنسبة لمسائل الأصول والفقه.
يقول هنا:"كلام أرباب الأحوال من أهل الولاية":
كلمة"الأحوال"تستخدم من أجل الاعتذار عما يفعله بعض الصوفية من القضايا الخاصة، وتستخدم ممن يريد أن يبرر بعض تصرفات الصوفية على خلاف الفقه، فيقول لك: هذا له أحوال، أي: جاء في قلبه دافع ما أدى به إلى هذا الفعل، مثل أن يخرج المرء من كل ماله وينفقه ويترك أهله يطلق زوجاته ويعتق عبيده، وحينئذ يقول لك: "هذا من أصحاب"الأحوال"، أخرجوه من مقامات المحاسبة فله أحوال! "، والتبليغيون اليوم يستخدمونها على معنى مضاد؛ فلما يقع المرء في أخطاء ويترك صلاة الجماعة وكذا؛ يقولون: هذا رجل عنده أحوال!
القصد أن كلمة"أحوال"عندهم إنما هي لتفسير خروج الصوفية عن مقتضى السنة ومقتضى العقل.
"فإن الاستدلال به من قبيل ما نحن فيه، وذلك أنهم قد أوغلوا في خدمة مولاهم":
هذه عبارة صوفية غير سديدة ولا أحبها:"في خدمة مولاهم"، يسمون العبادة خدمة الله، وهذه لم ترد لا في الكتاب، ولا في السنة، ولا في كلام الصحابة، ولا في كلام علمائنا، والمسألة ليست خدمة، هي عبادة.
"حتى أعرضوا عن غيره جملةً":
يعني زعموا هنا أنهم قد أقاموا أنفسهم بالنظر إلى مطالب الله في أنفسهم؛ فأعرضوا عن نظر مطالب غيرهم؛ كمطالب الزوجة والولد وغيره، وهذا غير صحيح؛ فإن إقامة المرء لحق الآخرين هو إقامة لحق الله، وأنتم تعلمون أن أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة الدماء، وهي حق الآخرين.