نناقش الأصل، وهو ناقشه بطريقة سمحة وبطريقة مقبولة لعصره، فقال بأن مقامات هؤلاء الأقوام من العباد هي مقامات خاصة لهم ولأمثالهم، فهي مقبولة لديهم، لكنها إن عُممت على المعنى الفقهي للعموم؛ أصاب الحرج، والحرج مرفوع في الشريعة، فلا يجوز أن تنسب إلى الفقه العام وإلى فقه الجمهور.
مثال ذلك: لما سئل المتصوف العابد: ما هو حظ الزكاة من المال؟ قال:"على فقههم: كذا وكذا، وأما على فقهنا؛ فكل المال لله"، هذه مسألة نشأت قديمًا؛ فأبو ذر -رضي الله تعالى عنه- له فقهه الخاص الذي أخذه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لما نظر هو وإياه إلى جبل أحد قال - صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر، لو كان لي مثل جبل أحد ذهبًا ما بات عندي ثلاثة ليال إلا أنفقته في سبيل الله) ، هذا فقهه، وهذا خاص له، وقال بأن الكنز هو ما زاد عن الحاجة، فهذا ليس هو فقه العامة وليس هو الفقه، هذا فقه المتعبدين وفقه الزاهدين، وليس في حقهم على وجه الوجوب، إنما هو على وجه الاستحباب، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: (ماذا أبقيت لهم يا أبا بكر؟ أبقيت لهم الله ورسوله) ، هذا خاص به، لكن ما هو الفقه في وجوب المال؟ حينئذ: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} هذه في سورة المعارج، فذكر معلوم، ولما قال: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} في سورة الذاريات؛ لم يقل"معلوم"، والسبب: لو قرأتم السورة لوجدتم أن سورة الذاريات تذكر المحسنين: {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} ، فجاءت صفات المحسنين: {آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} ، وذكر صفات الإحسان العالية، ذكر قيام الليل: {كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} ، فهذا مقام الإحسان، لم يقل:"حق معلوم"، وإنما هو ذكر الحق الآخر كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث -الذي فيه كلام-: (إن في المال حقًا غير الزكاة) . ولكن لما جاء إلى الإنسان ليخرج من المرتبة السلبية المذكورة في سورة المعارج: {إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} ؛ قدم صفة الإنسان السلبية على أصل الإنسان وما فيه من خصال ليخرج منها، فلكي يخرج من الصفات السلبية؛ لا بد أن يحقق المرتبة الأولى -أي القيام بالفرائض-، بخلاف ما تقدم من سورة الذاريات؛ فهي فوق صفات الوجوب، وهي صفة الإحسان. ففي آيات: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} ، نرى خروجا عن صفة: {إنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} (صفة السلب) إلى أول مراتب صفة الإيجاب، ولذلك لم يذكر قيام الليل، بل ذكر الصلاة بالدوام والمحافظة، وشرط الدوام هو أن يتابع عليها ويقوم بها في أوقاتها، والمحافظة أن يقوم بها على وجهها الصحيح، ففي سورة المعارج جاءت الصفة للخروج من صفة السلب إلى أول مراتب الوجوب؛ فكان ذكر الواجبات فقط، لكن لما ذكر الصلاة في سورة الذاريات؛ ذكر قيام الليل: آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا