"فإذا أخذ ذلك بإطلاق فيمن يحسن الظن به؛ فهو -عندما يسلم من القوادح- من هذا القسم؛ لأجل ميل الناس إلى من ظهر منه صلاح وفضل، ولكنه ليس من صلب العلم لعدم اطراد الصواب في عمله":
صلب العلم شرطه الاطراد، والصالح قد يصيب وقد يخطئ، فلما لم يطرد؛ لم يكن صلاحه من صلب العلم الحاكم على الأقوال بأنها الأقوى وغيرها الأضعف.
"ولجواز تغيره":
العالم ممكن أن يغير قوله، هو ليس بمعصوم.
"فإنما يؤخذ -إن سلم-هذا المأخذ".
"والثامن: كلام أرباب الأحوال من أهل الولاية؛ فإن الاستدلال به من قبيل ما نحن فيه، وذلك أنهم قد أوغلوا في خدمة مولاهم، حتى أعرضوا عن غيره جملة، فمال بهم هذا الطرف إلى أن تكلموا بلسان الاطِّراح لكل ما سوى الله، وأعربوا عن مقتضاه، وشأن من هذا شأنه لا يطيقه الجمهور، وهم إنما يكلمون به الجمهور، وهو وإن كان حقا؛ ففي رتبته لا مطلقا؛ لأنه يصير -في حق الأكثر- من الحرج أو تكليف ما لا يطاق، بل ربما ذموا بإطلاق ما ليس بمذموم إلا على وجه دون وجه، وفي حال دون حال، فصار أخذه بإطلاق موقعا في مفسدة، بخلاف أخذه على الجملة؛ فليس على هذا من صلب العلم، وإنما هو من ملحه، ومستحسناته":
الشيخ نشأ في عصر مُزج فيه التصوف بالفقه، وأول من فعل هذا هو الغزالي، والفقهاء المحققون لا يرضون هذا، ولما سئل ابن تيمية مثلًا عمّن قص أظافره وهو جنب؛ قال:"الإجماع منعقد على أن هذا جائز وما فيه خلاف، ولكن من أدخل التصوف في الفقه كرهوا هذا، وكلامهم غير معتبر"، وهذا المقصود به الغزالي في (الإحياء) . فإدخال التصوف في الفقه منهج غير سديد؛ الفقه يجب أن يُبَرأ، وعلى قاعدة تبرئة الفقه والسيرة من النظر النفسي والعقلي؛ لا يجوز أن يصاغ الفقه بلغة التصوف ولا أن تصاغ السيرة بلغة الحزب، فهناك من يقول"الكتلة النبوية"لأنه يرى الكتلة الصلبة والكتلة الأولى والكتلة الفكرية، مثل حزب التحرير يقول: لا بد من وجود الكتلة الفكرية، فيبدأ قراءة السيرة على هذا المعنى للناس، هذا خطأ، بل ينبغي أن يقرأ السيرة كما هي، ثم يبقى تفسيره هامشًا مفصولًا عن صلب الرواية، وكذلك الفقه ينبغي أن تعلم الناس الفقه ثم بعد ذلك إن أردت أن تدخل مراتب الولاية فيه فحسن.
ففي عصر الشيخ، كان الفقه قد مُزج بالتصوف، والناس في بيئة يرون أن المتصوفة قد حصلوا المقامات التي يسعى إليها العابد والفقيه، فلذلك نشأ عندهم الاحترام لمثل هؤلاء، وينبغي أن