لديه التقوى كذلك ولا يكون وحشًا كاسرًا في منافسة أهل الدنيا وأكل الحرام والخوض في المشتبهات، هذا ليس من شرط العلم، وقد تقدم أن التقوى والخشية هي مقصد العلم. فالناس مثلًا تذكر عبيد الله العمري أنه هو المجدد الثاني بعد عمر بن عبد العزيز، ولما جاؤوا إلى المفاضلة بينه وبين الشافعي -وقد قال أحمد -رحمه الله- بأن المجدد الثاني في أمتنا هو محمد بن إدريس الشافعي-؛ قال العلماء: أين هذا من هذا؟ والذين قدموا عبيد الله العمري قدموه لعبادته ونسكه، ولكن الشافعي جدد الدين وأحدث شيئًا من أجل أن ينير درب العلم للناس، وليس فقط عنده عبادة خاصة بنفسه.
فالفضائل التعبدية يقول الإمام الشاطبي أنها من فضول العلم، وليس مما يتميز به عالم عن عالم، وتاريخ أمتنا في هذا بيّن.
"فإنه ربما تكون أعمالهم حجة حسبما هو مذكور في كتاب الاجتهاد":
هنا مسألة: هل تقوى المرء دليل على صحة اختياره الفقهي؟ الجواب: لا؛ فإن المرء قد تكون له نظرة في مسائل العلم أقوى من التقي الذي يخلص للعبادة، ويكون له صحة نظر عقلي أقوى من غيره، فهذا باب آخر، ولكن لا شك أنه إذا تنازع الراكبان، والتقى البطانان؛ فأنت لا تكاد تميز بين من سبق في هذا القول، ربما ينقدح في قلبك وعقلك بأن هذا أقرب إلى الحق أو أسبق في قبول الحق لتقوى زائدة فيه، وعلماؤنا في هذا الباب ليس فيهم زائد، يعني أنه لا يستطيع أحد أن يقول أن الإمام الشافعي أتقى من أحمد، أو أن أحمد أتقى من الشافعي، أو أن الشافعي أتقى من مالك، أو أن مالكًا أتقى من أبي حنيفة، هذا باب لا نستطيع أن نخوض فيه: {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} . فالإمام أحمد حصل له الفتنة والابتلاء، وكان إمامًا عظيمًا مجاهدًا حتى سماه أهل عصره من العلماء بالصديق الثاني، وكأن الصديق الأول هو الذي أوقف حركة الردة، والصديق الثاني -وهو أحمد- هو الذي أوقف حركة الردة في قضية خلق القرآن، فحصل له القبول وأغلقت بغداد على حبه، ولذلك بعض أهل العلم يرى أن ما يسمى بمذهب أحمد إنما نشأ بسبب هذا التعظيم الذي حصل، وهذا كلام غير صحيح على إطلاقه، نعم، له وجه نظر بأن الفتنة قد أخرجته ذهبًا جليًا واضحًا نظيفًا، فحصل البريق، وهذا شيء لا يعاب عليه، ولكن المقصود بأن تقدمة عالم على عالم من علمائنا الكبار بسبب التقوى هذا شيء ينبغي ألا يكون عندنا، أما إذا حصلت نازلة من النوازل في أزمان متأخرة، فربما يقدم العالم التقي على غيره وخاصة إذا كان الآخر معروفًا بالهوى.