فالتاريخ هو أشد ما فيه لغْوصة ولعِب في تاريخ البشرية، ومع هذا تحرى علماؤنا فيه الأمانة ونقلوه كما هو، لم ينقلوا أفكارهم ولا نظرتهم ولا حكمهم، بل تركوا هذا لنا.
فهل تظنون أنهم، وقد كانوا بهذا الورع وهذا العقل وهذه الحكمة مع التاريخ الذي تدخل فيه أنظار الناس وأمزجتهم وعقائدهم وما يحبون وما يكرهون، هل تظنون أنهم يتورعون في هذا، ثم يأتوا إلى تفسير كتاب الله فيُعملون به انطباعاتهم كما يفعل الآخرون في تاريخهم؟!!
ولذلك لما يقول أحدهم: أنا أعتقد أن التفسير يجب أن يصبح فيه تطور! أعتذر؛ لكن قطعًا أن هذا أدنى من مرتبة الحمار!
وهذا ابن كثير مثلًا؛ فسر كتاب الله تفسيرًا فوق الزمن وفوق المكان، فدوْرنا حين تقع حادثة، أن نأخذ هذا الكتاب -الذي هو فوق الزمن وفوق المكان وفوق الحالة- وأن نطبقه على حالتنا.
وكذلك الفقه، لما كتب علماؤنا الفقه؛ كتبوه من أجل أن يكون مطلقًا، هكذا باب المياه، هكذا باب الطهارة، هكذا باب الصلاة، هكذا باب الزكاة، والعالم العظيم -كما هؤلاء وكما في أزمانهم-، عليه أن يُدخل هذا المطلق إلى عالَم المقيّد بدخول الأسباب والموانع والشروط في داخل الحدث. ولذلك علماؤنا لما كتبوا ديننا وأورثونا إياه، إنما أورثوا علمًا مطلقًا مستعليًا.
وطبعًا نتكلم عن أصول الكتب، وإلا فقد وردت في كتب علمائنا النوازل، وفصلوا فيها: وأنا أجزتُ كذا لدخول كذا. هذه مسألة أخرى ولا يجوز أن ترتفع فوق الزمان والمكان؛ لكن حين نتحدث عن الفقه، لا يجوز لجاهل ولا لغبي ولا لضال أن يزعم أن كتب الفقه كتبت في ظروف غير ظروفنا، هذا جهل وعجز عن تقييد ما أتى مطلقا في الزمان والمكان، بزمانه ومكانه.
فما يسمى بالتاريخانية بدعة لم تقع فيها أمتنا، وإنما أخذوها من المستشرقين وجاء الجهلة اليوم ورددوها:"والله، كتب الفقه لغير زماننا، زماننا يحتاج إلى فقه جديد".
وزماننا لا يحتاج إلى فقه جديد، بل يحتاج إلى فتاوى جديدة، يحتاج إلى فقيه بصير بحال زمانه ليدخل الفتوى في مطلق الفقه العام الذي يجب أن يُحترم وأن يبقى سويًا كاملًا.
ولذلك السب على بعض الخصوم بأنهم كتبوا شيئًا من الدين ضمن ظروف كانت قاسية أنتجت دينًا بنوع ما ومزاج ما، هذا منتهى الجهل، وأنا أطبقها على كلامهم وجهلهم في سيد قطب -رحمه الله-، وهو له حق -ككل علمائنا وككل من خدم دين الله -عز وجل- ولو بخطوة واحدة- أن ندافع عنه بالحق الذي علمناه فيه:
فهؤلاء التاريخانيون زعموا أن سيد كتب التفسير بمزاج شخصي؛ فلخضوعه لظرفه خرج فيه التشدد، ولو كتبه وهو مستلقٍ على أريكته لصدر مختلفًا.