وهذا إضافة لكونه جهل وضلال، فسيد قطب رد عليه، وقال أخوه محمد أن الله قيّد له أن يكتب تفسيره في المستشفى وليس في السجن، حيث كانت كل ظروف النعيم حاضرة لديه، فهو لم يكتبه في السجن ولا تحت السياط ولا تحت ضرب جلادين، وكان عنده أشخاص هو فقط يلقي عليهم ويكتبون ويراجع معهم المرة بعد المرة ويحضرون له الكتب إلى المستشفى.
"والثالثة:"
كون العلم حاكمًا لا محكوما عليه، بمعنى كونه مفيدا لعمل يترتب عليه مما يليق به؛ فلذلك انحصرت علوم الشريعة فيما يفيد العمل، أو يصوب نحوه، لا زائد على ذلك"."
ما وجدتُ إلى الآن كلمة"علم"تنسب إلى فعل الإنسان إلا وهي منسوبة إلى كرامة الرب مباشرة له، مثل قوله: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} ، فانتسب العلم لله، وقوله: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ} . ابحثوا، قد يطرد هذا فنجده باستقراء تامٍّ في كتاب الله أنَّ العلم لم يُنسب حين استقر في قلب العبد إلا إلى الله؟ هذا شرف عظيم.
الموت نسب إلى الله ونسب إلى الملائكة: {تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} ، وهكذا، ولكن ألا يأتي العلم في القرآن إلَّا منسوبًا لفعل الرب في تصويبه وإعطائه للعبد؛ هذا دلالةٌ على جلالة العلم.
فإذًا؛ العلم حاكم، لا الأمزجة ولا النظر، والعلم عندنا هو المتلقى من الكتاب والسنة.
قوله:"كون العلم حاكمًا لا محكومًا عليه"
دور العقل أن يفهم العلم، وهذه شرحناها، وكونه حاكمًا بمعنى أن العمل الذي يصدر على مدار التاريخ هو تحت العلم، فيقول العلم: هذا الفعل الصحيح، هذا الفعل خطأ، هذا الفعل جائز، هذا الفعل غير جائز، هذا أصبت به، هذا أخطأت فيه، هذا أجزأك، هذا لم يجزئك، هذا الفعل فيه صفة الصحة، هذا فيه صفة البطلان، هذا فيه صفحة الفساد، إلى آخره. فالعلم حاكم، ولا يجوز أن نقول بأن هناك فعلًا حاكمًا على العلم.
"بمعنى كونه مفيدًا لعمل يترتب عليه مما يليق به":
إذًا الأصل العلم الذي يفيد، والعلم الذي يفيد يُخرج العمل.
قوله:"فلذلك انحصرت علوم الشريعة فيما يفيد العمل، أو يصوب نحوه"
هذه كلمة رائعة:"يصوب"، كأنه يصوب بالبندقية ويضعها في الاتجاه الذي يريده، فكأن العلم حمله وأقامه، ووضعه في الطريق الصواب نحو العمل الصحيح.
"ولا تجد في العمل أبدا ما هو حاكم على الشريعة؛ وإلا انقلب كونها حاكمة إلى كونها محكوما عليها، وهكذا سائر ما يعد من أنواع العلوم."