ومبعث هذه المسألة وأساسها ومربطها هو ما نحن فيه، وهذا ما يسمى في علم الدراسات بالتاريخانية.
لا نجد هذا المصطلح في كلام الإسلاميين، لكنه موجود في كلام الزنادقة، وكما قلنا في درس فائت: إنما الزنادقة يتنشقون أصول ما يبنون عليه زندقتهم من أسس انحراف الفقيه أو المتكلم المسلم.
فالتاريخانية كلمة تعني أن لكل زمان فقهه الخاص، والتاريخ حاكم على الأحكام، فالناس يختارون من أحكامهم ما يناسب تاريخهم.
ومثل هذا الكلام تجده ممن يزعمون الفهم وهم أجهل الناس، وهم يأخذون الكلمات دون أن يستوعبوا أصول هذا الدين، وقد قلنا أنَّ من مهمات قراءتنا ل (الموافقات) أنْ نتعلم قراءة كتب التراث.
فجاؤوا وقالوا أن ما كُتب من الفقه والتفسير في تاريخ أمتنا إنما هو على هذا الأساس، بمعنى أن ما كتب العلماء محكوم بتاريخهم ومحكوم بواقعهم، ومحكوم بأزمانهم.
نقول: كذبتم!
حتى التاريخ لما كتبه علماؤنا -ومن التاريخ: السيرة-، إنما كتبوه ليستعليَ على الزمان والمكان، تاركين حكمة عمله وتطبيقه إلى ظروف الناس وأحوالهم باعتبار حكمة الحاملين له.
لنأخذ أكبر كتاب تاريخ وهو كتاب الطبري، ما الذي فعله الإمام الطبري -رحمه الله- في تاريخه؟ الإمام ساق لنا الخبر كما وصل، وقال لنا كلمته:"إذا وجدتم كلاما ضعيفا، وكلاما متناقضا؛ فالعهدة ليست عليّ، إنما هكذا وصلني فأنا أبلغكم إياه".
فحتى التاريخ الذي ينبغي أن يُقرأ وأن يُروى بعين ناظريه، كتبه علماؤنا برؤية العين لا برؤية النظر.
ونحن لو حدثت قصة هنا، لا نسوقها إلا وقد أدخلنا فيها ذواتنا وأشخاصنا ومزاجنا؛ ولذلك لمّا يأتي من بعدنا، يرى اضطرابًا في الخبر ومشكلة فيه، ولا يستطيع أن يميز بين من رأى الحدث رؤية العين وبين من رآه رؤية النظر.
فعلماؤنا؛ من أعظم ما فعلوا أنهم قالوا: هذا هو الدين، هكذا نكتبه في كتبنا. وتركوه ليُعمله كل أهل حقبة من الزمن بحكمتهم، بالنظر إلى واقعهم، إلى ما فيه من أسباب وظروف ودخول الحكمة وغير ذلك. حتى التاريخ تحروا فيه هذه الدقة!