فهرس الكتاب

الصفحة 533 من 809

ونحن الآن سنتجنب ذكر المناط ب"العلة"وذلك كي لا ندخل في خصومة مع الظاهرية، وكما أن الشيخ الشاطبي أراد أن يوفق بين أبي حنيفة وابن القاسم، فنحن نحاول أن نوفق بين الجمهور والظاهرية، والشيخ يأتي على ذكرهم، لكن لا يعرج عليهم كثيرًا.

إذن: هل تنقيح المناط من مسالك العلة؟

نقول بأنه ليس منها على الصحيح، بل هو عمل الفقيه بلا استثناء، سواء كان يقول بالعلة أو لا يقول بها، سواء كان ظاهريا أم من الجمهور، فتنقيح المناط إنما هو البحث عن سبب وجود الحكم وعما علّق به، وهو عمل الفقيه، وما يأتي بعد ذلك هو عمل قياسي.

مثال ذلك:

النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الشرب قائمًا فقال: (لا يشربن أحدكم قائمًا، فمن نسي فليستقئ) ، على خلاف بين أهل العلم في هذا النهي: هل هو للتحريم أم للكراهة -وهذا ليس مبحثنا-.

ثم رأيناه يشرب قائمًا عند زمزم كما قال ابن عباس -رضي الله عنه-:"سقيْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من زمزم فشرِبَ وهو قائمٌ".

فالآن نريد أن ننقح ونغربل المناط، وأن نبحث عما عُلِّق به الحكم، فالأصل هنا هو منع الشرب قائمًا، إذًا نريد أن نبحث عن المناط الذي من أجله شَرب رسول الله قائمًا.

-فواحد يأتي يقول: إنما هو لعلة خاصة في زمزم، فعند هذا؛ الشارب من زمزم يشرب قائمًا سواءً كان شربه على الحالة التي كان عليها رسول الله أم على غيرها، فهو علق الحكم على كون الماء ماء زمزم.

-الثاني يقول: إنما شرب واقفًا لتدافع الناس وقت الزحام، فلو جلس كل واحد لكان في ذلك مشقة وعنت، فعلقه الحكم على أمر آخر.

-وثالث يقول: إنما هو مطلق الشرب وليس خاصًّا بزمزم أو بحالة، بل هو لصرف النهي عن الشرب قائمًا من التحريم إلى الكراهة.

فما فعله هؤلاء هو ما يسمى بتنقيح المناط، وهذا لا يدخل في مسالك العلة، لا يدخل في مسائل القياس، بل الصحيح -لأن هذا على خلاف بين الأصوليين- أن القياس أمر زائد عنه، والقياس يأتي فيما يترتب على هذا التنقيح، وفيها يُبنى عليه، فننظر هل توجد علة مطردة أم لا توجد، وفي مثالنا زمزم ليست علة مطردة، وتعليق الحكم على زمزم هو من باب"تعليق الحكم على اللقب"... إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت