فهرس الكتاب

الصفحة 529 من 809

وتأملوا كلام الشيخ الرائع هنا، فالحق من جهة خط النبوة جاء من خارج الإنسان، جاء من الوحي، من السماء. وتقريرات العقل؛ من أين جاء أنها حق أو غير حق؟ هل العقل فرضها على الواقع، أم أن الواقع فرضها على العقل؟ هل العقل كان شيئًا منفلتًا فاستطاع أن يُنشئ أحكامًا؟

العقليات نشأت عن طريق الوجود، يعني أن الإنسان رأى أن هناك مسائل مطردة، مثل: الجزء والكل، وأن الاثنين لا يكون فيه واحد، إلى آخره.

إذًا لا يجوز لك أن تقول بأن عقلك أنتج، إنما عقلك وعى وفهم، هذا الفرق. فالتقريرات العقلية تنشأ من التجربة والواقع، ولا ينتجها العقل ابتداءً، إنما دوره الفهم، فحين يأتي العقل ويقول: القمار سبب الغنى، فهذه استخلصها من التجربة. فالعقل وهو ناظر، قد يكون فهمه صحيحًا وقد يكون خاطئا.

فلِاسْتخلاص الحكم الشرعي؛ هناك ناظرٌ للشريعة، وهناك ناظرٌ للتجربة بزعمه؛ وإلا فهو ناظر للهوى حقيقةً كما سماه الشارع، وهذا هو خط أعداء النبوة الذين يحكمهم الهوى ولا يريدون التقيد بالشرع.

وهذه الكلمة من الشيخ هي مفتاح سر الوجود، ومفتاح سر الإدراك العقلي، ومفتاح سر العمل الإنساني، وسبق وأن تطرق لها الشيخ عند شرحه لآية: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} .

فالإنسان لا ينتج شيئًا إلا بعلم سابق، والعقل مثل الآلة التي تصنع الموجود؛ ولذلك قال الحارث المحاسبي، ونقلها شيخ الإسلام مادحًا:"العقل غريزة"، فلا يوجد شيء اسمه عقل ينتج، ولذلك؛ لا القرآن ولا السنة ذكرت العقل على جهة المدح، إنما ذكرته فعلًا، لا وجود لكلمة"عقل"في القرآن ولا في السنة، وكل أحاديث العقل باطلة وموضوعة، فما دام العقل آلة، إذًا هو ممدوح بفعله لا بما هو عليه هو، ولذلك جاء المدح للفعل، فنجد في القرآن: {يَعْقِلُونَ} .

قال:"وأيضا؛ فإن الكليات العقلية مقتبسة من الوجود، وهو أمر وضعي لا عقلي"

هذه كلمات رجل يراقب الحياة، فالكليات العقلية مقتبسة من الوجود الذي هو أمر موضوع، موجود، وضعي، لا عقلي.

"فاستوت مع الكليات الشرعية بهذا الاعتبار، وارتفع الفرق بينهما".

الآن انتبهوا لأن الكلام السابق كان كلام متعة، أما الآن؛ فالكلام فيه متعة وفيه رصانة وفيه تأسيس، والشيخ سيؤسس لقضايا مهمة في موضوع العلم الضروري.

"فاستوت مع الكليات الشرعية بهذا الاعتبار، وارتفع الفرق بينهما."

فإذًا لهذا القسم خواص ثلاث، بهن يمتاز عن غيره:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت