فهرس الكتاب

الصفحة 525 من 809

الآن؛ هناك طوائف من الزنادقة المعاصرين يريدون أن يبدلوا الشريعة، وزعموا أنه يجب تجديدها، وهم يقصدون بهذا الأحكام، لا التصورات والأخبار، مثل: حسن الحنفي، محمد أركون، العشماوي، جمال البنا، محمد شحرور في كتابه (القرآن والكتاب) -طبعًا هذا الأخير الناس اكتشفوه؛ لأنه يتحدث عن مسائل العرض والاجتماع-، وكثير غيرهم، وأنا أعطي بعض الأسماء فقط، وإلا فمراتب الزنادقة في هذا العصر تحتاج إلى مصنَّف، وأنا دعوت قديمًا طلبة العلم أن يهتموا بهذا الباب على طريقة علمائنا بجمع ما كتب الرجال.

فالذي فتح الباب لكل هؤلاء، وأساسهم الذي ارتكزوا عليه، هو ما يقوله ابتداءً بعض الفقهاء. فالزنديق يؤول والفقيه يؤول، والزنديق يقول: ما الذي يمنعني من التأويل مثلكم؟ ما ضابطكم؟ والزنديق يأتي إلى كلمات قالها العلماء، ويطير بها على غير المعنى الذي وضعوها له.

فجاؤوا مثلًا إلى كلمة الزركشي وبعض العلماء عن آيات العفو والصفح أنها أُنسئت -بمعنى أُجِّلت- ولم تُنسخ، فطاروا بها، فالعلماء قالوها على معنى، وهم نقلوها لآيات الجهاد على معنى باطل، فقالوا أنها أُجِّلت أي جاء وقتها! حتى أن بعض المشايخ ممن يزعم أنهم سلفيون أخذها وألف فيها مصنفات. وهذا باطل على هذا المعنى، وإنما المعنى الذي يقوله كل علمائنا أن المرء يطبق الحكم الملائم لواقعه.

وأنا سأفصل في هذه النقطة لأهميتها لأنها نموذج للعلماء الذين يفتون ولا يعرفون مراتب ولا مهمات الأصول: عندما قالوا كلمة"أُنسأت"بمعنى"أجلت"، قال آخرون أن معناها هو أن الحكم مخبَّأ حتى يأتي زمان يعود إليه!

والصواب في هذا أن آيات الصفح يُعمل بها في وقت الاستضعاف، وهذا إجماع لا يخالف فيه عالم، والذي يقوله الفاروق من إلغاء الشيء إنما هو لغياب العلة، فإذا عادت العلة عاد الحكم. يعني لمَّا لغى الفاروق -رضي الله تعالى عنه- سهم المؤلفة قلوبهم، كان ذلك لأن الإسلام انتشر وقوي، فذهبت العلة فذهب الحكم. فهذا غياب للحكم مرتبٌ على غياب العلة؛ لكن الذين يقولون بأن أحكام الشريعة والجهاد أُنسئت على المعنى الباطل، يقولون أنَّ الشريعة مخبَّأٌ فيها الحكم حتى يأتي وقته، فيلغي الحكمَ المستقِر، فكما أن آيات السيف ألغَتْ آيات العفو، فآيات العفو ستعود لتُلغي آيات السيف مرة أخرى، هكذا هم يصورون الآن؛ ولذلك يقولون أنه لا يوجد جهاد، لأن آيات الجهاد قد نُسخت بما أُنسئ به الحكم السابق.

وهذه جملة قالوها في سعارهم من أجل نفي الجهاد، بحثوا في بطون الكتب عن جملة ينفون بها الجهاد ويردون بها على من يثبته، فوجدوا هذه وطاروا بها.

ومفتاح باب الزندقة هي هذه القاعدة التي استعملوها، وهي: أن الشريعة يكمن فيها أحكام لم يعرفها الأوائل حتى يأتي وقتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت