فهرس الكتاب

الصفحة 524 من 809

اليهود موتاهم. فهذا تأويل بلا ضابط أبطل الجنة والنار، حتى قال بن عربي الطائي:"ما سُميت عذابًا إلا لعذوبتها".

-الصلاة: قالوا أنها هي معرفة الإيمان، ومعرفة الحق.

فالزنديق يؤول الأحكام حتى يسقطها، ويؤول الأخبار حتى يعطل الثواب والعقاب، وهذا منتهى ما يقوله من التأويل، والذي فتح الباب لهذا هو من أجاز التأويل ابتداءً لأنه لم يستطع أن يغلقه، وهذه نقطة قد نصب ابن القيم -رحمه الله- كتابًا عظيمًا فقط لبيانها.

فلما يأتي البعض لصفة نزول الله مثلًا، ويؤولها أنها نزول رحمته لأنه يرى أن النزول من صفات البشر التي يُنزه عنها الخالق، يأتي الزنديق فيطالبهم بضابط تأويلهم، ويؤول كما أولوا، فإن جاز لهم التأويل دون ضابط؛ ما الذي يمنعه هو؟ وكتاب (رسائل إخوان الصفا) يدور حول هذا المعنى.

فالأصل هو إغلاق باب التأويل، والأصل هو القول أنه يجب حمل الشريعة على ما وردت عليه، وأن الأحكام تُؤخذ من الألفاظ، لكن حين فتح المجتهد المخطئ الباب؛ اتسع هذا الفتح -لعدم القدرة على الإغلاق- حتى وصل إلى ما قاله الزنديق.

والآن؛ إذا أتينا إلى عصرنا، نجد أن الزنادقة الذين يبطلون الشريعة لا يهتمون لأمر الأخبار، فالعلمانية لا تناظرك ولا تعاديك في عقائدك، ولهذا لم يكتشف الناس خبثها ولا خبث الرأسمالية، بينما اكتشفوا خبث الشيوعية.

لماذا سارع مشايخنا إلى وصف الشيوعية بأنها كفر وشرك وخروج من الملة، ولكن لم يكتشفوا هذا في العلمانية؟

السبب هو أن الأمة تعظم شأن العقائد والأخبار، والشيوعية تناقض الأخبار والغيب: تنكر الجنة والنار والإله، فهذه سهل اكتشافها. لكن لما جاء المشرعون والمبدلون للشريعة، الأمة لم تكتشفهم لأن تبديلهم يتعلق بباب الأحكام.

ولذلك لو خرج رجل وأنكر وجود الجن، فلن يتوقف في تكفيره أحد، لكن عندما غُيرت وبُدلت الشريعة لم يكترث أحد، مع أنه لا يوجد فرق بين الصورتين: هذا تكذيب خبر وهذا إلغاء حكم، وكلاهما من الله.

بل إن أول كفر حدث في الوجود -وهو كفر إبليس- لا تعلق له بالاعتقاد: إبليس لم ينكر خبرًا وإنما خالف أمرًا، ومع هذا فالناس تستعظم إنكار الأخبار، حتى أنه لو أنكر أحد تلبس الجني بالإنسي لأولعت الدنيا، لكنهم لا يرون بأسًا برد الأمر وتبديل الشريعة ولا ينتبهون لخطورته، فيُحكم بجواز بيع الخمر وجواز الزنا وجواز التحالف مع الكفار والمرتدين ولا أحد ينتبه، وسبب هذا هو تعظيم جانب الخبر عند المتكلمين وتهوين جانب الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت