وعن الثوري؛ قال:"كنا نطلب العلم للدنيا؛ فجرنا إلى الآخرة"، وهو معنى قوله في كلام آخر:"كنت أغبط الرجل يجتمع حوله، ويكتب عنه، فلما ابتليت به؛ وددت أني نجوت منه كفافا، لا علي ولا لي"
وهنا؛ لا بأس أن أنبه على مسألة: إن من أكثر الناس أمراضًا في نفوسهم المشهورون، المنتحرين منهم وغير المنتحرين، والذي يعصم الناس من هذا أنه يهرب من الشهرة، والعلم يؤدي به إلى الهروب منها، فيقول: يا ليتني ما عُرفت حتى أخلُوَ بنفسي وديني وقراءتي؛ ولكن المشهورين -من الفسقة والفجرة وغيرهم- يحبون أن يبقوا أمام الشاشة وأمام الناس في كل وقت، فهم يخرجون خمس دقائق يكونون فيها مشهورين، ثم يعودون إلى البيت، وهم كما هم، فيملون هذه الحياة، وقد ينتحر أحدهم؛ ولذلك هم أكثر الناس مرضًا: يشربون المخدرات من أجل النسيان، ويشربون المُنومات، فأنت تعجب: ما هو سر هذا؟ السر هو هذا الأمر، أن العلماء الصالحين مع علم الناس بهم، لا يحبون هذا، ويتمنون أن لو لم يُعرفوا، كما قال الشافعي:"وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم ولم ينسبوا لي منه شيئاً". فالعالم يهرب من الشهرة؛ فهذا الذي يعيشه، وهذه الغربة التي يعيشها، وهذه المعاني، هي التي تجعلهم أقرب الناس إلى الله، وهم على درجة من الاطمئنان، والقلق الذي فيهم هو قلب التعبد، قلق العابدين، وغيرهم من المشهورين يؤدي بهم القلق إلى الانتحار، إلى آخره.
وهذه مسألة مهمة، ويلزمها شرح طويل؛ لكن نحن نطلق فقط، وكلمة الثوري هي التي دعتنا إلى هذا.
وهنا أريد أن أقول كلمة: والله يا إخوتي، ما من علماء أمةٍ في الوجود نصحوا لأمتهم كما نصح علماؤنا لنا، وهذا كله من فقه القرآن: كما أن القرآن نصح لنا وللناس جميعًا أعظم النصيحة، وبيّن أعظم البيان، ورقق، إلى آخره، فالعلماء فهِموا.
انظر إلى هذا العالِم كيف يكشف نفسه! لماذا يكشف نفسه؟ علماء الدجل الذين يبحثون عن الشهرة وغيرها، تجد أحدهم ينصح، وإذا سألته: كيف طلبت العلم؟ يقول: الله يغفر لنا يا أخي، ويتواضَع تواضُع المتكبرين والمغرورين، يُخفي غروره وراء قناع التواضع، فإذا قلت له: أنت خالفت في هذه المسألة ما كنتَ تقول في الأول، يقوم عليك يقتلك، يقول: أنا خالفت؟! أنا خرجت من بطن أمي وأنا على هذه المسألة، وبفضل الله لنا سنين ونحن نقول هذا، ونحن صغار نقول هذا! لا يعترفون ويكذبون. لكن انظروا إلى هذه النصيحة من علمائنا، يقولون:"هكذا كنا"، وذلك لفضل هذا وبيانهم ورحمتهم على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
"وعن أبي الوليد الطيالسي؛ قال: سمعت ابن عيينة منذ أكثر من ستين سنة يقول:"طلبنا هذا الحديث لغير الله؛ فأعقبنا الله ما ترون"، وقال الحسن:"لقد طلب أقوام العلم ما أرادوا به الله وما عنده، فما زال بهم حتى أرادوا به الله وما عنده"؛ فهذا أيضا مما يدل على صحة ما تقدم"
فصل: