فهرس الكتاب

الصفحة 515 من 809

وأنا هنا أقول لكم كلمة مهمة جدًا، وكل هذا من كتاب ربنا، وكل هذا من سيرة أصحاب نبينا - صلى الله عليه وسلم: إن طريق تلقي العلم له دور في أثر العلم في النفوس، الطريقة التي تتلقى بها العلم، والوسيلة التي تطلبه بها، تؤثر على معنى العلم في قلبك، وهذا واضح؛ فالرجل الذي يسعى لطلب المسألة، ويمشي من بلد إلى بلد ليسمعها، ويجلس على طريقة الأدب، وينفق لها المال، ويبذل لها العَرق والجهد، ويبذل لها الوقت، هذا ليس كمن جاءته وهو نائم على الفراش. ولا يقولنَّ أحد: المقصود هو العلم. لا! من يقول هذا لا يعرف. فطريقة تلقي العلم لها أثر على معنى العلم في قلب الإنسان، وهذه طبعًا توضَع في مكانها؛ ولذلك يقول:

"على أن المثابرة على طلب العلم"

ونحن نأتي إلى كلمتهم أن: العلم إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه، وأن طلب العلم مع المحبرة إلى المقبرة.

"على أن المثابرة على طلب العلم، والتففه فيه، وعدم الاجتزاء باليسير منه؛ يجر إلى العمل به ويلجئ إليه، كما تقدم بيانه"

والناس فقط تعلموا أن:"المسألة فيها خلاف وهذا رأيي"! فقط يأخذون الشهادات ويمضون.

"وهو معنى قول الحسن:"كنا نطلب العلم للدنيا؛ فجرنا إلى الآخرة""

الله أكبر، هذه الكلمة أخذ بها العلماء وصارت مثالًا لهم، كما قال أحمد حين سئل هل طلبَ العلم ابتداءً لله:"هذا عزيز"، أو كما ذكرَ الغزالي:"طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون له".

وهذه المسألة التي يخوض فيها الشاطبي هنا هي التي اعترف الغزالي أنه كَتبَ كتاب (الإحياء) من أجلها، وهي: من هم العلماء؟ ولماذا العلماء لا يخشون ربهم؟ ولماذا يحبون الدنيا، والناس يقولون أن العلم هو الذي يحصل به الخشية؟ إلى آخر هذه المناقشات. هذه النقاط هي التي تكلمت عنها في بحث في المجلد الأول، في أول كتاب (الإحياء) ، حيث اعترف الغزالي أنه أنشأ كتابه من أجل هذه المسألة، وهي:"حل مشكلة علماء أهل الدنيا"، وهؤلاء موجودون في كل زمان ومكان، وهم كالأفعى فوق الماء، لا يشربون منها ولا يتركون غيرهم يشرب، ويصدون عن سبيله، وهؤلاء أسميهم"قطاع الطريق إلى الله"؛ فهم يسلبون دين الناس كما أن قاطع الطريق يسلب مال الناس، وكلاهما قطاع طرق، فليحذر المرء أن يكون كذلك.

وعن معمر؛ أنه قال:"كان يقال: من طلب العلم لغير الله يأبى عليه العلم حتى يصيره إلى الله"

هذه سطوة العلم وجلاله.

"وعن حبيب بن أبي ثابت:"طلبنا هذا الأمر وليس لنا فيه نية، ثم جاءت النية بعد"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت