فهرس الكتاب

الصفحة 514 من 809

أنا تَمُر عليّ هذه الأسماء، فأشعر بالقهر لأننا لضيق الوقت لا نتكلم عنها، لا نتكلم عن الثوري، لا نتكلم عن الحسن. لا أريد أن أتكلم عن الصحابة -رضي الله تعالى- عنهم، فقط عن هؤلاء العلماء الأجلاء العظماء: الشعبي وغيره. ماذا نقول عن الثوري -رحمه الله-؟ ماذا نقول عن وكيع بن الجراح؟ ماذا نقول عن الحسن البصري؟

كأنك حين تتحدث عنهم تتحدث عن كتاب الله؛ ولذلك إذا ذُكر الصالحون ذُكر الله، والنظر إليهم عبادة.

واحد مر على مجلس قيل فيه أن النظر إلى العلماء عبادة، فقال:"لم يرِد فيها نص"! هذا لا يفهم كيف ينشأ مثل هذا المعنى: النظر إليهم يذكرك بالله، يُعلمك السمت الذي يقربك إلى الله، إلى آخره؛ ولذلك كانت الأمهات يرسلن أبناءهم إلى مجلس أحمد لا للعلم؛ ولكن للنظر إلى سمته، حتى يتعلموا كيف يتأدبوا ويجلسوا، وكيف يتحركوا ... إلخ. فالنظر إليهم عبادة على هذا المعنى.

"وعن ابن مسعود:"ليس العلم عن كثرة الحديث، إنما العلم خشية الله، والآثار في هذا النحو كثيرة.

وبما ذكر يتبين الجواب عن الإشكال الثاني؛ فإن علماء السوء هم الذين لا يعملون بما يعلمون""

وهذا من سر العربية الشريفة، انظر إلى الكلمات:"عمل"و"علم"، الحروف فيها واحدة، حتى أنك تُخطئ في مرات كثيرة حين تطلق إحدى الكلمتين، فتتساءل ما المراد بها. وكأنك لما تتحدث عن العلم؛ تتحدث عن العمل. وهذا من شرف العربية التي بلغت الكمال لتستوعب الإعجاز -كما قال ابن خلدون-.

"فإن علماء السوء هم الذين لا يعملون بما يعلمون، وإذا لم يكونوا كذلك؛ فليسوا في الحقيقة من الراسخين في العلم، وإنما هم رواة -والفقه فيما رووا أمر آخر-"

"إنما هم رواة"، وهو معنى الحديث: (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لاتمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) .

فهناك أناس يحملون ولا يفقهون، وناس يحملون ويفقهون، وناس لا يحملون ولا يفقهون.

"أو ممن غلب عليهم هوى غطى على القلوب والعياذ بالله، على أن المثابرة على طلب العلم، والتففه فيه، وعدم الاجتزاء باليسير منه؛ يجر إلى العمل به ويلجئ إليه"،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت